من السهل أن نحدث الناس كثيراً عن معاني عدة ، وأن ننظر لجوانب متعددة ، لكن ذلك وإن أتّر فإن أثره يبقى باهتاً محدوداً .
أما النبي -صلى الله عليه وسلم- فمع توجيهه لأصحابه في كل موطن ، إلا
أن تربيته كانت تتم من خلال الأحداث ، فكان يضع الناس في الموقع والميدان
ويأتي التوجيه حينها .
يشكو إليه الحالَ أبو بكر رضي الله عنه وهما في الغار ، فيقول : (ما ظنك
باثنين الله ثالثهما) .
ويسأله رجل في الميدان والمعركة : أرأيت إن قتلت ؟ فيجيبه إجابة تصل إلى
شغاف قلبه فيتقدم حتى يستشهد ؛ فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال
رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد : أرأيت إن قتلت فأين أنا ؟ قال : (في
الجنة ? فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل) [8] .
ويوصي علياً رضي الله عنه بالدعوة ويذكِّره بفضلها وذلك ؟ حين بعثه داعياً
إلى الله مجاهداً في سبيله . عن سهيل بن سعد رضي الله عنه قال : قال النبي -
صلى الله عليه وسلم- يوم خيبر : (لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح على يديه يحب
الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ويحبه الله ورسوله) فبات الناس ليلتهم أيهم
يعطى ، فغدوا كلهم يرجوه ، فقال : (أين علي ؟ ) فقيل يشتكي عينيه ، فبصق في
عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه فقال أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ،
فقال : (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما
يجب عليهم ؛ فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من أن يكون لك حمر
النعم) [9] .
أترى أن تلك التوجيهات لو تلقاها أصحابها وهم جالسون قاعدون في بيوتهم
ستترك أثرها ؟ إن مثل هذه التربية هي التي خرّجت الجيل الجاد العملي ، الذي لم
يتربّ على مجرد التوجيه الجاف البارد ، إنما كان يعيش العلم والعمل معاً .
5- الاختيار والاصطفاء :
إن التربية كما أنها موجهة لكل أفراد الأمة أجمع مهما كان شأنهم ، والدين