تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم قد تجمِّع العاطفة أناساً كثيرين ، ولكنها وحدها لا تحيي أمة ، ولا تبني رجالاً ،

ولا تجعلهم يثبتون أمام الأعاصير والفتن .

كثيرون أولئك الخطباء والمصلحون الذين يستطيعون تجميع الناس واستثارة

عواطفهم ، ولكنَّ القلة القليلة منهم هي القادرة على إعادة بنائهم وتشكيل عقولهم

وصناعتهم من جديد . وإنَّ من أكبر التحديات التي تواجه دعاة الإصلاح : هي

القدرة على توظيف الطاقات ، واستثمارها في البناء والعطاء ، وكم هي الطاقات

المهدرة التي طالما استهلكت في التصفيق والصراخ والهتافات الساخنة أو الباردة !

ولذا كان ممَّا ينبغي على دعاة الإصلاح إدراكه أنَّ من واجبهم التأثير الفكري

والمنهجي على الجماهير ، ورفع مستواهم الثقافي ، وإحياء الوعي في صفوفهم ،

وتربيتهم تربية راسخة عميقة ، والانتقال بهم من مرحلة تكثير السواد إلى مرحلة

العطاء والوعي الإنتاجي .

يخيَّل لبعض المصلحين حينما يرى أتباعه يحيطون به من كل جانب أنَّه لو

دعاهم لتحرير القدس لما تخلف منهم رجل واحد ، ولخاضوا ألوان المخاطر لتحقيق

هذه الغاية العظمى ، ولكنه يفاجأ بأنَّ كثيراً منهم سرعان ما يتخلف عنه ويتعذر

بمعاذير واهية عند أول عقبة قد تواجهه في مسيرته ! ولست هنا أدعو إلى ترك

الجماهير أو عدم الثقة بهم ، ولكنني أدعو إلى تغيير آلية الخطاب ليستوعب

المتغيرات الاجتماعية والفكرية الحديثة .

لقد ظلت الجماهير عقوداً متتابعة مغيَّبة يعبث بعواطفها أدعياء التحرر

والوطنية ، وها هنا يأتي دور المصلحين من جديد لإعادة تشكيل عقولهم وصناعة

أفكارهم ، ولا شك بأن هذا يتطلب جهداً كبيراً ونَفَساً طويلاً .

تاسعاً : الارتقاء بمستوى الخطاب :

كثير من الطروحات التي نسمعها من الخطباء وأمثالهم تعالج هموم العامة

ومشكلاتهم ، وتتوافق مع طموحاتهم وتطلعاتهم ، ولا شك بأن هذه الطموحات

محدودة ، وتدور في أطر ضيقة ، وقد يغفل بعض أولئك الخطباء عن مخاطبة

إعانة الربان · الصفحة ٤٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إعانة الربانص ٤٨٠