نعم قد تجمِّع العاطفة أناساً كثيرين ، ولكنها وحدها لا تحيي أمة ، ولا تبني رجالاً ،
ولا تجعلهم يثبتون أمام الأعاصير والفتن .
كثيرون أولئك الخطباء والمصلحون الذين يستطيعون تجميع الناس واستثارة
عواطفهم ، ولكنَّ القلة القليلة منهم هي القادرة على إعادة بنائهم وتشكيل عقولهم
وصناعتهم من جديد . وإنَّ من أكبر التحديات التي تواجه دعاة الإصلاح : هي
القدرة على توظيف الطاقات ، واستثمارها في البناء والعطاء ، وكم هي الطاقات
المهدرة التي طالما استهلكت في التصفيق والصراخ والهتافات الساخنة أو الباردة !
ولذا كان ممَّا ينبغي على دعاة الإصلاح إدراكه أنَّ من واجبهم التأثير الفكري
والمنهجي على الجماهير ، ورفع مستواهم الثقافي ، وإحياء الوعي في صفوفهم ،
وتربيتهم تربية راسخة عميقة ، والانتقال بهم من مرحلة تكثير السواد إلى مرحلة
العطاء والوعي الإنتاجي .
يخيَّل لبعض المصلحين حينما يرى أتباعه يحيطون به من كل جانب أنَّه لو
دعاهم لتحرير القدس لما تخلف منهم رجل واحد ، ولخاضوا ألوان المخاطر لتحقيق
هذه الغاية العظمى ، ولكنه يفاجأ بأنَّ كثيراً منهم سرعان ما يتخلف عنه ويتعذر
بمعاذير واهية عند أول عقبة قد تواجهه في مسيرته ! ولست هنا أدعو إلى ترك
الجماهير أو عدم الثقة بهم ، ولكنني أدعو إلى تغيير آلية الخطاب ليستوعب
المتغيرات الاجتماعية والفكرية الحديثة .
لقد ظلت الجماهير عقوداً متتابعة مغيَّبة يعبث بعواطفها أدعياء التحرر
والوطنية ، وها هنا يأتي دور المصلحين من جديد لإعادة تشكيل عقولهم وصناعة
أفكارهم ، ولا شك بأن هذا يتطلب جهداً كبيراً ونَفَساً طويلاً .
تاسعاً : الارتقاء بمستوى الخطاب :
كثير من الطروحات التي نسمعها من الخطباء وأمثالهم تعالج هموم العامة
ومشكلاتهم ، وتتوافق مع طموحاتهم وتطلعاتهم ، ولا شك بأن هذه الطموحات
محدودة ، وتدور في أطر ضيقة ، وقد يغفل بعض أولئك الخطباء عن مخاطبة