الأول : الكلام النظري ونعني به : بيان الأمر مع الثواب أو العقاب .
الثاني : حكاية الفعل ونعني به : ذكر مثال عملي لما سبق سواء كان معاصراً
أو تاريخياً .
الثالث : رؤية الفعل (عمل المربي) ونعني به : التنفيذ العملي الذاتي لما سبق
فيما يُستطاع شرعاً وواقعاً .
ولو نظرنا في أثر كل من هذه الثلاثة - منفرداً - في تكوين الدافعية للعمل ،
لوجدنا أن ثالثتها ( رؤية الفعل ) أشد أثراً وأبقى .
فالنفس لديها استعداد للتأثر بما يلقى إليها من الكلام ؛ ولكنه استعداد مؤقت في
الغالب ، ولذلك يلزمه التكرار . وحكاية الفعل وإن كانت تُقرب المسافة أكثر إلا أن
أثرها بمفردها لا يكفينا لتحقيق ما نطمح إليه من رفع المستوى التربوي .
وأما القدوة المنظورة الملموسة فهي التي تعلق المشاعر ، ولا تتركها تهبط إلى
القاع وتسكن بلا حراك ، بل سرعان ما تترجمها إلى عمل .
وفي هذا المثال من السيرة بيان ذلك :
في صلح الحديبية : لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قضية الكتاب
(يعني الصلح) قال لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا ، فلم يقم منهم رجل ، حتى
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرات ، فلم يقم أحد ، فدخل على أم
سلمة - رضي الله عنها - فأخبرها الخبر ، فقالت له : اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم
كلمة حتى تنحر بُدْنَكَ ، وتدعو حالقك فيحلقك . فخرج رسول الله صلى الله عليه
وسلم فلم يكلم منهم أحداً حتى فعل ذلك ، فلما رأوا فعله صلى الله عليه وسلم قاموا
فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضاً ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً [22] .
نرى في المثال أن الخطاب النظري أحدث أثراً في نفوس السامعين إلا أنه لم
يترجم إلى عمل ، ولما اقترن الأمر بممارسة الفعل سهل عليهم الامتثال والتنفيذ ؛
فممارسة الفعل إذن هي بمثابة المرحلة الحاسمة والأخيرة التي تبرز قيمة ما سبقها
وأثره ، وتُخرج ما أحدثه من مشاعر نفسية إلى الوجود في صورة عملية ، وبدونها