يزال الرجل عالماً ما تعلَّم ، فإذا ترك العلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو
أجهل ما يكون ) [9] .
والذي يحتج بأن العمل التربوي لا يتيح له استمرار التعلم يغفل عن أن عمله
ذلك لن يستمر إلا لمدة ثم لا يجد ما يعطيه ؛ ففعله كفعل صاحب الحديث الذي
يتشاغل عن مراجعته وطلبه بالتحديث ببعضه ؛ فهو كما قال عبد الرحمن بن
مهدي : ( إنما مثل صاحب الحديث مثل السمسار : إذا غاب عن السوق خمسة أيام ذهب عنه أسعار ما في السوق ) [10] .
فلا يلبث إلا وقد نضب ما لديه من العلم ، ثم يصل بعدها إلى مرحلة
التحضير بالقطعة أو بالطلب ، ثم إلى مرحلة الإعادة والتكرار ، وقد يشعر المتربي
بأن مربيه قد فرغ جرابه ، مع ما في ذلك من أثر سيئ .
وكان أهل العلم من السلف يحرصون على إيجاد هذا التوازن بين طلبهم
ومذاكرتهم العلم ، وبين تعليمهم إياه ، ويتضح ذلك جلياً في قول ابن مهدي - رحمه
الله - : ( كان الرجل من أهل العلم إذا لقي من هو فوقه في العلم فهو يوم غنيمته ،
سأله وتعلم منه ، وإذا لقي من هو دونه في العلم علَّمه وتواضع له ، وإذا لقي من
هو مثله في العلم ، ذاكره ودارسه ) [11] .
4 - وضع العلم في إطار من الهيبة والوقار عند إلقائه أو تدريسه :
قال عمر - رضي الله عنه - : تعلموا العلم ، وتعلموا له السكينة
والوقار [12] .
فذلك من شأنه أن يجعل للعلم الأثر النفسي ثم العملي اللائق به ، مما يوفر
على المربي جهداً كبيراً ، ويُقرِّب له التوفيق من عمله . قال أحمد بن سنان : ( كان
عبد الرحمن بن مهدي لا يُتحدث في مجلسه ، ولا يُبْرى قلم ، ولا يقوم أحد كأنما
على رؤوسهم الطير ، أو كأنهم في صلاة ، فإن تُحُدِّث أو بُري قلم صاح ولبس
نعليه ودخل ) [13] فما ظنك بأثر العلم الذي يتلقونه (في نفوسهم) وهم على هذه
الحال ؟ !
وفي المقابل : حين دخل - رحمه الله - على الوليد بن يزيد - وهو خليفة -