تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك ؛ حيث يكون التعامل مع عناصر غير ملموسة ، وبعضها غامض جداً يصعب

الحدس به .

دعونا نقول : إن ( الحقيقة ) ليست ذات جوهر واحد ، أو ذات طبقة واحدة ،

وإنما هي ذات طبقات عدة ، بعضها فوق بعض ، وكلما صرنا للبحث في طبقة

أعمق احتجنا في إدراكها والتعامل معها إلى أسلوب جديد أو وسيلة جديدة ، ووجدنا

أنفسنا على أرض هشة ؛ حيث يشتد النقص في وسائل المعرفة ، كما يزداد الاعتماد

على عناصر ذات طابع يكاد يكون شخصياً .

حين نرى ( قلماً ) فإننا نعرف سماته الظاهرة لأول وهلة ؛ فإذا أردنا أن

نعرف ( ثمنه ) وجدنا أنفسنا بحاجة إلى درجة من الخبرة التجارية وأسعار الأقلام

في السوق ؛ فإذا تجاوزنا ذلك إلى معرفة المواد التي صُنع منها القلم ومقدار كل منها

والتقنية المستخدمة فيها وجدنا أنفسنا أمام معضلة كبرى ، ووجدنا أن الاقتراب من

ذلك يتطلب وجود مختبرات متطورة وتجارب كثيرة وخبرات متخصصة وراقية ؛

ومع كل ذلك ففي الغالب تكون النتائج متواضعة ، وإلا لأمكن اقتباس أسرار التقنية

المتقدمة بسهولة . ونحن في كل هذا نتعامل مع شيء محسوس ، لكننا تجاوزنا ما

يوقفنا عليه النظر العابر إلى طبقات أعمق من الحقيقة .

2 - في المسائل الصغيرة والمحدودة نستخدم الحواس والأخبار المتواترة

والمستفيضة ، ونصل إلى أحكام قطعية أو شبه قطعية ، وذلك كحكمنا بأن زيداً من

الناس موجود معنا في هذه الحجرة ، وكإيماننا بوجود بلد اسمه ( الصين ) وشخص

مضى اسمه : حاتم الطائي أو الذهبي . ونحن لا نستخدم في إدراك هذا النوع من

الحقائق والمعارف مقدمات أو عناصر ذهنية ؛ ومن هنا حصلنا على معرفة يقينية

أو شبه يقينية .

أما إذا أردنا الاقتراب من قضية أو حقيقة ذات بنية مركبة فإن الأمر سيكون

مختلفاً جداً . وتكون البنية مركبة إذا ساهم في تشكلها عدد من الروافد المتباينة

أوالمتقاربة ؛ وذلك كما إذا أردنا الوقوف على ما جرى في معركة من المعارك ،

إعانة الربان · الصفحة ٣٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إعانة الربانص ٣٧١