إن سبب الانقطاع (لكونه ليَّن أبا يوسف) [4] صاحب أبي حنيفة وأحد أئمة
الأحناف وأركان المذهب ، فالصَيْمَري لم يتحملْ كلام الدارقطني فيه فترك مجلسه ؛
وهذا نَعدُّه تعصباً منه رحمه الله وانتصاراً لإمامه .
داء التعصب :
فالتعصب إذن مَزَلةُ أقدام ، ومَظنّة أفهام ، وآفة من آفات العلم ، ( وهو انتحالُ
مجموعةٍ من الناسِ مذهباً أو انتخابُ آراء بحيثُ لا يبغون عنها حولاً ولا يريدون
بها بدلاً ) .
إن الدارقطني أدَّاه اجتهادُه وهو إمامُ الحديث ورجاله إلى تليين أبي يوسف ؛
فعلامَ يُترك الأخذ عن مجتهدٍ قد يكون رأيه هو الحق ، ومذهبُه هو الصواب ؟ ولكنه
التعصب الذي يَحْرِم صاحبَه التعلم ! قال حُسَيْنَكُ بنُ علي : أول ما سألني ابنُ
خزيمة فقال : كتبت عن محمد بن جعفر الطبري ؟ قلت : لا . قال : ولِمَ ؟ قلت :
لأنه كان لا يَظْهرُ وكانت الحنابلة تمنع من الدخول عليه [5] . قال : ( بئسَ ما
فعلت . ليتَكَ لم تكتبْ عن كلِّ ما كتبتَ عنهم ، وسمعتَ من أبي جعفر ) [6] .
فالواجب على طالب العلم ألا يتحيَّزَ لمذهبٍ معينٍ ، ولا لآراء خاصة ، وإنَّما
ينتخب من الأقوال ما وافق الحق ، ويجتنبُ ما خالفه .
التسرع في الحكم وعدم التثبت :
وتزداد الزاوية انفراجاً عند ترك التثبت ، والتسرع في الحكم ؛ فإن اجتهاد
الدارقطني يُنظرُ إليه ، فقد سبقه إلى ذلك نفرٌ من علماءِ الجرح والتعديل منهم شيخ
المحدثين البخاري فقبلَ هجره يُتبَيَّنُ قوله ، كما قال الحسنُ البصري رحمه الله :
( المؤمنُ وقَّاف حتى يتبين ) [7] .
فإن أصاب فنعمَّا هو ، وإن أخطأ فالكمال عزيز ، وإنما يمدحُ العالمُ بكثرة ما
له من الفضائل ؛ فلا تدفنُ المحاسنُ لورطة ربما رجع عنها وقد يَغْفِرُ الله له
باستفراغه الوُسعَ في طلب الحق فيه ، ولمن ثبت عنده ذلك الخطأ أن يجادل بالتي
هي أحسن ، ويرشده إلى الحق مع حفظ الأخوة ، وبقاء الاستفادة ؛ فكم من علمٍ فاتَ
بسبب التسرع وعدم التثبت .