والتزود منه ، وإلا انقلب الأمر من غاية النهوض بالدين إلى الاستخفاف به ، وهذا
ما نقله ابن عبد البر عن أهل البدع في كتابه جامع بيان العلم وفضله : (وما ينعى
على أهل البدع إلا أنهم اتخذوا الدين رأياً ، وليس الرأي ثقة ولا حتماً .. فلا أجد
أحداً أشد استخفافاً بدينه ممن اتخذ رأيه ورأي الرجال ديناً مفروضاً ) [5] .
ولكن لا معنى للعلم ما لم يكن مقروناً بالعمل سوى أن يوظف لمكاسب دنيوية
عابرة تعكس تناقضاً بين المقول والمعمول ، وتجعل المتصف بهذا في مصاف
علماء السوء الذين يقول فيهم ابن القيم رحمه الله : (علماء السوء جلسوا على باب
الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم ، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم) [6] .
وفي هذا الصنف من العلماء يجد دعاة الضلالة وسيلة لإغواء الأمة وتخديرها
عن إدراك رسالتها في الحياة . والسقوط في هذا الخلق حتماً يتنافى مع غاية العمل
الإسلامي ، ويحبس الذات في نطاق شهواني ضيق لا يتجاوز حد الهموم المادية ،
ويسلب الشخصية الإسلامية تأثيرها بخلاف تلك التي تربط بين العلم والعمل ؛ فإنها
لا محالة تكون مثالاً للاحتذاء والاقتداء ، ومن ثَمّ طريقاً إلى التغيير المنشود .
التغيير الإسلامي بين خيارين :
والتغيير الإسلامي اليوم في مفاهيم كثير من الشباب يفتقر إلى تأصيل شرعي
تتوازن فيه المصالح والمفاسد ساعة الإقدام أو الإحجام ، وأرى في هذا قصوراً في
فهم الواقع المعاش ، وخللاً في فهم مقاصد الإسلام من عملية التغيير ذاتها ، وأحسب
أن قصة عبد الله بن حذافة رضي الله عنه أفضل ما يمكن إيراده عند مناقشة هذه
الظاهرة لدى هؤلاء الشباب فإنه رضي الله عنه بكى من غير جزع حين قرر الملك
الروماني إلقاءه في قدر يغلي بزيت متمنياً أن لو كانت له أكثر من نفس تعذب في
سبيل الله ، ولكنه في الوقت ذاته رضي بتقبيل رأس الملك بعد أن اشترط عليه
إطلاق أسرى المسلمين ، ولقد مدح عمر بن الخطاب رضي الله عنهما صنيعه هذا