الركب وصعوبة الخروج عن المألوف ، واتباع الناس إن أحسنوا أو أساؤوا . ومَنْ هذه حاله ينطبق عليه وصف الإمَّعة الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وحذَّر منه ؛ حيث قال : ( لا تكونوا إمَّعة تقولون : إن أحسن الناس أحسنَّا ، وإن ظلموا ظلمنا ؛ ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا ، وإن أساؤوا فلا تظلموا ) [4] . قال الشارح في تحفة الأحوذي : ( الإمعة هو الذي يتابع كل ناعق ويقول لكل أحد أنا معك ؛ لأنه لا رأي له يرجع إليه ، تابعاً لدين غيره بلا رؤية ، ولا تحصيل برهان ) .
والفتنة بمسايرة الواقع وما اعتاده الناس كثيرة في زماننا اليوم لا يسلم منها إلا
من رحم الله عز وجل وجاهد نفسه مجاهدة كبيرة ؛ لأن ضغط الفساد ومكر المفسدين
وترويض الناس عليه ردحاً من الزمان جعل القابض على دينه اليوم المستعصي
على مسايرة الواقع في جهاد مرير مع نفسه ومع الناس كالقابض على الجمر ، ولعل
هذا الزمان هو تأويل قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر ) [5] .
وإن مما يعين العبد على هذه المشقة الشديدة والصبر العظيم هو عظم الأجر
الذي يناله هذا القابض على دينه المستعصي على مسايرة الناس وضغط الواقع وما
ألفه الناس ، ويكفي في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( فإن من ورائكم أيام
الصبر . الصبر فيه مثل قبض على الجمر للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلاً
يعملون مثل عمله وزادني غيره قال :
يا رسول الله أجر خمسين منهم ؟ قال : أجر خمسين منكم ) [6] .
وفيما يلي ذكر بعض الصور لفتنة مسايرة الواقع في زماننا اليوم ، وأخص
بها فئة الدعاة وأهل العلم وما يجب أن يحذروه من هذه الفتنة :
إن أهل العلم والدعاة إلى الله عز وجل لمن أشد الناس تعرضاً لفتنة المسايرة ؛
وذلك لكثرة الفساد وتنوعه وتسلط شياطين الإنس والجن على أهل الخير بالإيذاء