تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يَعجب منهم ابن حزم رحمه الله : تخور قواهم وتضعف عزائمهم وهممهم ؛ في حين

تجد أرباب الصناعات والحرف أعظم منهم خطراً وأكثر نفعاً فيقول : (إن من

العجب من يبقى في هذا العالم دون معاونة لنوعه على مصلحة . أما يرى الحرّاث

كيف يحرث له ، والطحان يطحن له ، والنساج ينسج له ، والخياط يخيط له ،

والجزار يجزر له ، والبنّاء يبني له ، وسائر الناس كل متولّ شغلاً له فيه مصلحة ،

وبه إليه ضرورة ؟ أفما يستحيي أن يكون عيالاً على كل العالم لا يعين هو أيضاً

بشيء من المصلحة ؟ ! ) .

العلم .. التعليم .. التخصص :

يوجه ابن حزم رحمه الله إلى ضرورة الإلمام بعلم الشريعة وبأصول المعتقد

لكل قائد أو مبدع بالإضافة إلى إلمامه بتخصصه وسعة اطلاعه فيه . وتجده يعيب

بشدة ذلك المربي القدوة أو القائد الموجه أو المبدع الماهر الذي يفتقر للثقافة

الإسلامية العامة إن صح التعبير ولأصول الإسلام التي لا يُعذر أحد في الجهل بها ،

ومن نظرته الخاصة في العلوم والفنون يحذّر رحمه الله من أن يحصر الإنسان نفسه

في معين تخصصه وفنه فحسب ؛ لأنه متى ما جف نبع ذلك المعين أو ترحّل عنه

لأي طارئ أوشك أن يشابه صنوف الجهال على حد تعبيره وأن يقارب العامة

والدهماء . وفي هذه الوصية نصح ظاهر وغيرة واضحة ، وبخاصة إذا علمنا أن

الدعاة والمربين والموجهين هم أول المعنيين بها ؛ ذلك أن القدوة الذي ينظر إليه ،

ويحتذى به لا بد أن يوطن نفسه أن تكون قامته أعلى من قامة من يقوم بتوجيههم

وتربيتهم وقيادتهم ، لا قامة الطول المحسوس أو هيبة (التصنّع الكاذب) وإنما قامة

العلم والأخلاق والأدب ، وحسن السياسة والتدبير ، وسعة الاطلاع وكريم السجايا

والإلمام بواقع الحال !

ولذا تجد ابن حزم رحمه الله يؤكد في سبيل تحقيق ذلك على وجوب التأصيل

العلمي منذ الصغر وعلى التدرج في نيل العلوم واحداً تلو الآخر وهو مراده من

إعانة الربان · الصفحة ١٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إعانة الربانص ١٧٩