وقد مر معنا وصية ابن سحنون لمؤدب ولده : (ولا تؤدبه إلا بالمدح ولطيف
الكلام) [17] .
كذلك أوصى ابن جماعة المعلم بشكر التلميذ إذا أصاب الجواب ومدحه والثناء
عليه ، فقال : (فمن رآه مصيباً في الجواب ، ولم يخف عليه شدة الإعجاب شكره
وأثنى عليه بين أصحابه ليبعثه وإياهم على الاجتهاد في طلب الازدياد) [18] . وقد
كان المربون الأوائل يتحينون الفرص لتشجيع الأولاد وحثهم على المنافسة النزيهة
في العلم وتحصيله . قال ابن سحنون في حث المعلم على ذلك : (وينبغي أن يجعل
لهم وقتاً يعلمهم فيه الكتاب ويجعلهم يتجاوزون ؛ لأن ذلك مما يصلحهم ويخرجهم ،
ويبيح لهم أدب بعضهم بعضاً) [19] .
وكانوا إذا حذق الصبي القرآن أي أصبح ماهراً فيه جمعوا له الناس وعملوا
له وليمة لتشجيعه ومدحه بين الناس بما يدفعه إلى الاستزادة من العلم وتحصيله ؛
خصوصاً إذا علمنا أن أول ما يتعلمه الصبي في الكتّاب القرآن الكريم ، فهو بختمه
القرآن الكريم وحذقه لا يزال في بداية الطريق . جاء في : (كتاب العيال) للحافظ
ابن أبي الدنيا : (حدثني بشر بن معاذ العبدي ، حدثنا أبو عمارة الرازي ، حدثنا
يونس ، قال : حذق ابنٌ لعبد الله بن الحسن بن أبي الحسن ، فقال الحسن : إن فلاناً
قد حذق .
فقال الحسن : كان الغلام إذا حذق قبل اليوم نحروا جزوراً وصنعوا طعاماً
للناس) [20] .
وبهذا يكون المربون الأوائل قد سبقوا بأشواط كثيرة علماء النفس المحدثين في
تقرير أهمية المدح والثناء في التربية . ويشار إلى أسلوب التشجيع والثواب في علم
النفس بمصطلح (التعزيز) . ومعناه المكافأة ويعتبر التعزيز ، سواء كان معنوياً
كالمدح والثناء ، أو مادياً ، من أهم الأساليب الحديثة في تعديل السلوك وتهذيبه .
وهكذا يتضح أن التربويين المسلمين قد لامسوا الموضوع عن قرب ولكن دون
الدخول في تفصيلات كبيرة كما هو الشأن بالنسبة لعصرنا الحالي الذي تشعبت فيه
التخصصات .
2- الإيحاش والإعراض والتّرْك :