تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأيدي بالقهر عليه ، فصار ذلك له خلقاً وعادة لم يستطع منها فكاكاً في الكبر .

يقول ابن خلدون : (ومن كان مَرْباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك

أو الخدم سطا به القهر ، وضيّق على النّفْسِ في انبساطها ، وذهب بنشاطها ، ودعاه

ذلك إلى الكسل ، وحمله على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره

خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه ، وعلمه المكر والخديعة لذلك ، وصارت له

هذه عادة وخلقاً ، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدّن ،

وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله ، وصار عيالاً على غيره في ذلك ، بل

وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل ؛ فانقبضت عن غايتها ومدى

إنسانيتها ، فارتكس وعاد في أسفل السافلين) [11] .

ولم يكتف ابن خلدون بهذه الإشارة الجميلة للآثار المترتبة على العنف في

التربية ؛ بل ضرب لنا مثلاً واقعياً باليهود وما اتصفوا به من خبث ومكر وكيد ؛

ومردّ ذلك حسب تحليله يعود إلى ما لقوه من قهر وعسف نتيجة تيههم وتفرقهم في

الأمصار . يقول ابن خلدون : (وانظره في اليهود وما حصل بذلك فيهم من خلق

السوء ، حتى إنهم يوصفون في كل أفق وعصر بالحرج ؛ ومعناه في الاصطلاح

المشهور : التخابث والكيد ؛ وسببه ما قلناه . ( أي : العسف والقهر في

التأديب)[12] . ولذلك دعا ابن خلدون إلى الرفق بالمتعلم واجتناب الشدة في تأديبه وتهذيبه ، واستحسن وصية الرشيد لمعلم ولده محمد الأمين ، واعتبرها من أحسن مذاهب التعليم ، ومما جاء فيها : (يا أحمر ! إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه ، وثمرة قلبه ، فصيّر يدك عليه مبسوطة ، وطاعته لك واجبة ، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين : أقرئه القرآن ، وعرّفه الأخبار ، وروّه الأشعار ، وعلّمه السنن ، وبصّره بمواقع الكلام وبدئه ، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته ، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه ، ورفع مجالس القواد إذا حضروا

إعانة الربان · الصفحة ١٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إعانة الربانص ١٦٤