ويلتقي أبو الحسن القابسي مع ابن سحنون في ضرورة الرفق بالصبيان وعدم
تجاوز الثلاثة في التأديب ، وإنما يلجأ إلى الضرب فقط عندما لا ينفع العذل
والتقريع بالكلام الذي فيه التوعد من غير شتم ولا سب لعِرْض ، يقول أبو الحسن
القابسي : (وإذا استأهل الضرب فاعلم أن الضرب من واحدة إلى ثلاث ، فليستعمل
اجتهاده لئلا يزيد رتبة فوق استئهالها ، وهذا هو أدبه إذا فرّط فتثاقل عن الإقبال
على المعلم ، فتباطأ في حفظه ، أو أكثر الخطأ في حزبه ، أو في كتابة لوحه .
ولئن سمح القابسي للمعلم بمعاقبة التلاميذ بهذا القدر من الضرب إلا أنه علّق
ذلك على مدى استئهال التلميذ لذلك ، وقيّده بثلاثة ، واشترط في تجاوز الثلاثة إلى
العشرة مشورة أبي الصبي أو ولي أمره ومدى احتمال الصبي للضرب فوق الثلاثة
إذا استأهل ذلك ، وألا يتعدى أثر الضرب الألم إلى التأثير المشنع أو الوهن المُضِر . وعلى الجملة : فالمعلم عنده عوض عن الأب بالنسبة للصبيان (فهو المأخوذ بأدبهم ، والناظر في زجرهم عما لا يَصْلح لهم ، والقائم بإكرامهم على مثل منافعهم ؛ فهو
يسوسهم في كل ذلك بما ينفعهم ، ولا يخرجهم ذلك من حسن رِفْقه بهم ، ولا من
رحمته إياهم ؛ فإنما هو لهم عوض من آبائهم ) [6] ويعلل القابسي ذلك بقول
الرسول -صلى الله عليه وسلم- : (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم
فارفق به) [7] ، وقوله -صلى الله عليه وسلم- : (إن الله يحب الرفق في الأمر
كله) [8] .
وقد تحدث ابن الجزار القيرواني الطبيب عن الفرق بين الصبيان في مدى
قبولهم للأدب ؛ إذ منهم من يتقبل الأدب قبولاً سهلاً ، ومنهم من لا يقبل ذلك ،
ومنهم من إذا مُدِحَ تعلم علماً كثيراً ، ومنهم من يتعلم إذا عاقبه المعلم ووبخه ، ومنهم
من لا يتعلم إلا إذا استعملت معه أساليب أشد تعنيفاً كالضرب مثلاً . ولذلك قرر ابن
الجزار مراعاة هذه الفروق الفردية ، واتباع الأسلوب المناسب لتأديب كل صبي بما