بركابي وقال اركب فركبت ولحقت بأصحابي فلما كان من غداة غد وظهرنا على العدو فإذا هو بين أيدينا فقلت ألست صاحبي بالأمس قال بلا فقلت سألتك بالله تعالى من أنت فوثب قائما فاهتزت الأرض تحته خضراء فقال أنا الخضر فهذا صريح في أنه قد يحضر بعض المعارك وأما قوله اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض فمعناه لا تعبد على وجه الظهور والغلبة وقوة الأمة وإلا فكم من مؤمن كان بالمدينة وغيرها ولم يحضر بدرا ولا يخفى أن نظم الخضر عليه السلام في سلك أويس القرني والنجاشي وأضرابهما ممن لم يمكنه الإتيان إليه بعيد عن الإنصاف وإن لم نقل بوجوب الاتيان عليه عليه السلام وكيف يقول منصف بإمامته لجميع الأنبياء واقتداء جميعهم به ليلة المعراج ولا يرى لزوم الاتيان على الخضر عليه السلام والاجتماع معه مع أنه لا مانع له من ذلك بحسب الظاهر ومتى زعم أحد أن نسبته إلى نبينا كنسبته إلى موسى عليه السلام فليجدد إسلامه ودعوى إسلامه أنه كان يأتي ويتعلم خفية لعدم أمره بذلك علانية لحكمة إلهية مما لم يقم عليها الدليل على أنه لو كان كذلك لذكره ولو مرة وأين الدليل على الذكر وأيضا لا تظهر الحكمة في منعه عن الاتيان مرة أو مرتين على نحو إتيان جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلب رضي الله عنه وإن قيل إن هذه الدعوة مجرد احتمال قيل لا يلتفت إلى مثله إلا عند الضرورة ولا تتحقق إلا بعد تحقق وجوده إذ ذاك بالدليل ووجوده كوجوده عندنا وأما ما روي عن ابن المبارك فلا نسلم ثبوته عنه وأنت إذا أمعنت النظر في ألفاظ القصة استبعدت صحتها ومن أنصف يعلم أن حبره عليه السلام يوم قال النبي لسعد رضي الله تعالى عنه إرم فداك أبي وأمي كان أهم من حضوره مع ابن المبارك واحتمال أنه حضر ولم يره أحد شبه شيء بالسفسطة وأما ما ذكروه في معنى الحديث فبقائل أن يقول إنه بعيد فمن الظاهر منه نفي أن يعبد سبحانه إن أهلك تلك العصابة مطلقا على معنى أنهم إن أهلكوا والإسلام غض ارتد الباقون ولم يكد يؤمن أحد بعد فلا يعبده سبحانه أحد من البشر في الأرض حينئذ وقد لا يوسط حديث الارتداد بأن يكون المعنى اللهم إن تهلك هذه العصابة الذين هم تاج رأس الإسلام استولى الكفار على سائر المسلمين بعدهم فأهلكوهم فلا يعبدك أحد من البشر وأيا ما كان فالاستدلال بالحديث على عدم وجود الخضر عليه السلام له وجه فإن أجابوا عنه بأن المراد نفي أن يشاهده من يعبده تعالى بعد والخضر عليه السلام لا يشاهد ورد عليه ما تقدم وأجابوا عن الاستدلال بقوله تعالى وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد بأن المراد من الخلد الدوام الأبدي والقائلون بوجوده اليوم لا يقولون بتأبيده بل منهم من يقول إنه يقاتل الدجال ويموت ومنهم من يقول إنه يموت زمان رفع القرآن ومنهم من يقول إنه يموت في آخر الزمان ومراده أحد هذين الأمرين أو ما يقاربهما وتعقب بأن الخلد بمعنى الخلود وهو على ما يقتضيه ظاهر قوله تعالى خالدين فيها أبدا حقيقة في طول المكث لا في دوام البقاء فإن الظاهر التأسيس لا التأكيد وقد قال الراغب كل ما يتباطأ عنه التغير والفساد تصفه العرب بالخلود كقولهم للأثافي خوالد وذلك لطول مكثها لا لدوامها وبقائها انتهى وأنت تعلم قوة الجواب لأن المكث الطويل ثبت لبعض البشر كنوح عليه السلام وأجابوا عما نقل عن ابن الجوزي من الوجوه العقلية أما عن الأول من وجهي فساد القول بأنه ابن آدم عليه السلام بعد تسليم صحة الرواية فبأن البعد العادي لا يضر القائل بتعميره هذه المدة المديدة لأن ذلك عنده من خرق
حياة الخضر وموته · الصفحة ٤٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
حياة الخضر وموتهص ٤٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي