تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والسَّلفيُّون في طريقة أخذِهم الفِقْه عن العلماء متَّبعون طريق الرِّواية ولا بدَّ، فهم إذ يأخذون مثلاً بقول صحابيٍّ لا يَقفزونَ إليه قفزاً من وراءِ جُدُرٍ؛ أو يَطيرون نحوه طيراناً في الهواء، بل يَبدءُون من أقربِ العلماء إليهم في زمانهم، فلا يَدَعونهم إلى مَن بعدهم؛ إلاَّ بعد أن يعلموا أنَّ علماء زمانهم ليس في جُعبَتهم ما يستوفون حقَّ السَّائلين، وهذا -فيما أظنُّ- من أمحل المحال، فما خلا زمانٌ من أزمان الأمَّة من علماء مُجتهدين، يرفعون عن الأمَّةِ آصار الحَرَج إن وقع عليها، ويأخذون بيدها في الأمور الحادثة، ويهدونها السَّبيل الواضحة، ويُخرجونها -بما أفضل الله عليهم من علم بوحيِه- من العِوَجِ والتَّذبذب إلى الاستقامة والثَّبات.

ولكنَّهم حين ينتقلون من زمانهم إلى الذي قبله لا ينتقلون انتقالاً عشوائيَّاً، فأيُّ علام صادَفهم -وهم يبحثون- أخذوا بفُتياه أو بقوله في هذه المسألة أو تلك، بل ينتقلون انتقالاً انتقائيَّاً، إذ غايتهم الوقوف على أصوب الصَّواب، ولا يكون عندهم إلاَّ ممَّن يوثق بعلمه ودينه، ولا أحسب أنَّ التَّاريخ قد استأثر بمثل هذا النَّوع من العلماء فصَرَّهم إليه، فالتَّاريخ صفحاته مَقروءةٌ بيِّنةٌ - لا تخفى إلاَّ على العاجز- شاهدةٌ بأسماء هؤلاء العلماء أنَّ هذه الأمَّة، مهما امتدَّ زمانها، وطالَ بقاؤها على الأرض، أُمَّةٌ محروسةٌ ظاهرةٌ بعلمها على الأُمم كافَّة، فيأبى الله سبحانَهُ إلاَّ أن يُتمَّ نُوره، ويُظهرَ دينه، ويُعلي شأن كلماته.

هي السلفية نسبة وعقيدة ومنهجا · الصفحة ٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

هي السلفية نسبة وعقيدة ومنهجاص ٨٦