لكنَّهم -عفا الله عنَّا وعنهم- مضوا بميراث -حملوه جيلاً بعد جيل وقرناً بعد قرن- يتلونه من غير بصر، ويقرءُونه في غير استبصارٍ ولا إنصافٍ، قد يحسنون ما يقرءُون من حروفٍ وألفاظٍ، لكن كثيراً من معانيها يغيب عنهم، فإذا هم على نَأي من الحقِّ، لا يُرتجى لهم من قرب إليه يوماً، إلاَّ بتوبةٍ علميةٍ بارَّةٍ، يُقلعون بها عَن سِفادَةِ بُغاثِ الطَّير، وإقلابِ الأطفالِ حروفَ الهجاءِ، ويرون في توبتهم -رؤية بصيرةً جاهرةً- معنى قوله تعالى: ﴿إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ [سورة يونس: آية 36]، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "إيَّاكُم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكذبُ الحديث"(28) وإلاَّ، فإنَّهم مطلوبون إلى الباهلة، على معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [سورة المائدة: آية 77].
لكنْ: مِمَّا يُعزِّي النَّفس، أنَّ للسَّلَفيِّين في طلائع مُنْشِئي السَّلفيَّة وبُناتِها الأوَّلين، الذَّابِّين عن حياضها -كأبي بكر، وعُمر، وعثمان، وخالد، وعَمرو، ومُعاوية، وابي ذرٍّ- أُسوةً حسنةً، فما كان لهؤلاء أن يُصيبَهم ما أصابهم من أذى، ثمَّ ننجو نحن من بعدهم، فأهل الحقِّ دائماً على ذلك، ليس لهم من دون هذا الطَّعن، والتَّجريح والتَّبكيت كاشفةٌ، إلاَّ أن يكون لهم تشبُّهٌ بأُولئك الأخيار السَّابقين.