وكيف لهم أن يعدلوا عنه إماماً في العلم والفقه، وهم يعلمون -أو لا يعلمون- أنَّه رحمه الله كان من أكثر النَّاس إعظاماً، واتِّباعاً، وأدباً، وحبَّاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكن لحياته، ونشأته، وحرصه على أن يموت في المدينة أثر كبير جدَّاً، فيما منَّ الله به عليه، من أدبٍ جمٍّ مع الرَّسول صلى الله عليه وسلم، واتِّباع له وإعظام في نفسه.
فكان حقَّاً للإمام مالك -رحمه الله- عليهم أن يقرءُوا سيرته جيِّداً، ليتعلَّموا منها الكثير الكثير، مِمَّا لم يؤْثَرْ عن شيوخ الطَّريق منه شيءٌ، ثمَّ نَسَجَ لهم المريديون والأتباع سِيراً، وكراماتٍ، لم يكن منها شيءٌ حتى ولا للأنبياء والرُّسل، والحواريِّين، والصَّحابة!!
فلا أدري، أضَنُّوا على أنفسهم بالإمام مالك، بأن يجمعوا له الإمامتين، وهو حقيق وجدير بهما؟! أم علموا من سيرته بأنَّهُ إمامٌ ورأسٌ في الفقه والعلم، وأنَّه لم يبلغ مبلغ من اتَّخذوهم أئمَّة في السُّلوك والطَّريقة، فآثروا غيره عليه؟!
كلاهما سَيِّئ، وما -والله- أحسنوا صنعاً، فلو عقلوا الأمر عقلاً حسناً، لعلموا أنَّ الإمام الفقيه، هو الأجدرُ والأحقُّ أن يكون العارفَ بالله، كما يُسَمَّوْنَ، فالفقيهُ العالمُ، يفوق في الفضل أسبقَ النَّاس في العبادة، لأنَّ الفقه جُنَّةٌ يَدَّرِيءُ بها الفقيهُ سهامَ الشيطان، ولأنَّه أيضاً، يمحو الله بعلمه رانَ الجهل والضَّلال عن القلوب والعقول.
ومالكٌ رحمه الله لا ينكر من شهد له بالفقه والعلم والإمامة فيهما، سبوغَ فضل الله عليه، في السُّلوك، والأدب، والرَّقائق، والحرص الشديد على العبادات -فرائضها، ونوافلها- مَمَّا فتح الله به عليه في العلم والفقه، حتى تناهت إليه جماعاتُ العلماءِ، وطُلابُ العلم يَفِدونَ إليه -في مدينة الرَّسول صلى الله عليه وسلم- من كلِّ الآفاق وأطراف الأرض.