وتلامذة هذا الشعوبي لا زالوا يعزفون عن نايه، ويضربون على وترهِ رُغمَ دعواهم: أنَّهم عربٌ أقحاحٌ، درسوا "المحيط" و "الصِّحاح"!
ولو أنَّ هذا القائل أنصف نفسه من نفسه -حمانا الله من سُفكَة العُجمة، وفَنَك اللَّجاج في الخصومة، وتسعُّر غيظ الانتصار بالهوى وله- لَرَدَّ دعواه إلى نفسه، وصدَّق ظنَّه بظنِّه فيه، ولما أغولت نفسه بحصادها المرِّ، فإنَّ الأعراب، بجفائهم، وجبروتهم، وجهلهم بالحواضر وما فيها، يبقَوْن عرباً أقحاحاً، بيدهم مقاليدُ اللُّغَة والبيان، وأدرى بمعاني العربيَّة ودلالات ألفاظها، وشِعْرها، فكانوا بها سادة الحاضرة قبل البادية، وسُوَّاسَ المَدَرِ قبل الوَبَر، لكن العُجمة تأبى إلاَّ أن يظلَّ رداؤُها الشعوبيَّةَ المائنة.
ولست أرى -والله- من يوالي أُولئك -على ما فيهم من شعوبيَّة العجم، تأبى عليهم التحوُّل عنها، إلى العربيَّة- والعربيَّة هي رداءُ الإسلام، ومادَّةُ إعجازه وبلاغه، وإبلاغه - إلا أنَّهم مثلُ أُولئك، حتى وإن كانوا أفصحَ النَّاس لساناً عربيَّاً، وأوثقَهم لصوقاً بعرقِها، وإذا أنت جمعت إلى ذلك - مذهبيَّة النَّاصر والمُنتصَر له- ألفيتَ نفسك على استحكامٍ من استغاربٍ، لا يزيدك فيهم إلاَّ غموضاً وبعداً!!