وددت أنِّي أكون قد حبستُ هذه الرسالة، وأضمرتها في صدري، وضممتها إلى سائر ما أكتبه وأُخفيه عن النَّاس -ولربَّما نسيته- للقادمات من الأيَّام، احتساباً لله، وكفكفةً لظلمٍ يواقعه صاحبنا مرَّة أُخرى، أو يحدِّث به نفسه، من إملاءِ أبي مُرَّة!! عليه اللَّعائن -وإن كنتُ على ثَبجِ حقٍّ أبلجَ لا يُدافع إلا إن أجاءَ إليه جهلٌ، أو هوىً، أو ارتيابٌ، تَخِذَ منها صاحبُها ذريعةً، يستبق بها من أوحى به إليه، في حطِّ أذىً على كاهل من نُكبَ بأن عَلِم فيه من قبلُ خيراً، حتى إذا لمعت بارقةٌ من فتنةٍ داجيةٍ، نفث فيها من روعه، فصارت فتناً تُؤَجّجها أرواحٌ ما زكت إلا بارتياب!! -ولا طهُرت إلا بهوى ولا نَقِيتْ إلا بجهلٍ! فانظر -بربِّك كيف يكونُ أمرُ أمَّةٍ، هذه الأرواح تطَّاير بطُهرٍ من هوىً، ونقاءٍ من جهلٍ، وزكاةٍ من ارتياب؟- لولا ما بلغني أنَّ الرجل لم يجد من نفسه وازعَ تقوى يكفُّه، ولا فضلَ علم يردعه، ولا وفاءَ لِقدامةِ عهدٍ وصُحبةٍ يصُدُّه، فأتبع ميناً ميناً، ووصَلَ إفكاً بإفكٍ، وأربى بهتاً على بهتٍ.
ولا أدري كيف يفكّر صاحبنا هذا حين يصنع ذلك كلّه، وهو -ولا بدَّ- يحفظ قول النَّبي الأكرم صلوات الله وسلامه عليه: "إنَّ الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته".
لكنَّ عذره -المسكين- أنَّه يجد من زُمْرةٍ- أصاب بينها حظَّاً من السُّمعة -مظاهرةً، يَزيد من عَدْوه وغروره، وتنسيه هذا الحديث الذي يحفظ، فتذْهب به نَفْسُه مذاهبَ العَطَبِ والإعنات، فلا هو صَدَق بسوءِ ظنِّه، ولا هو صدق بسوءِ فهمه، ولا هو صدق بسوءِ نظره من عاقبة أمره، فقد -والله- احتلب حوبةً عَزَّت على من قال الله فيهم: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾.