تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والجهادُ ثلاثةٌ: جهادٌ بالنَّفس، جهادٌ بالمال، جهادٌ بالدَّعوة والعلم، فإذا اجتمعت الثَّلاثة، فذلك ما نبغي(16)، وإذا عُجزَ عن واحد منها طُلب المقدورُ عليه، ولا أحسب أنَّه يأتي يومٌ على الأُمَّة تعجزُ فيه جميعها عن جميع أنواع الجهاد، فلا بدَّ وأن يصيب نوعٌ من هذه الثَّلاثة -مهما بلغت الأُمَّة من ضعفٍ- حظَّاً ما من جُهدِها باجتماعها، أو بتفرُّقها.

وهذا مِمَّا لا يُقعد الأُمَّة باليأس -أو بالعجز- عن الجهاد يوماً من الدَّهر، لكن عليها أن تنظر: أيُّ نوع من هذه الأنواع الثَّلاثة هو المقدور عليه؟ حتى إذا ما استَيقنَت أنَّ واحداً فقط هو المقدورُ عليه دون الاثنين الآخرين، فحينئذٍ يكون هو الواجبَ عليها، وإذا ما سعت إلى الآخر، وهو غير مقدور عليه، وأصابت به من شرٍّ، أو فتنةٍ؛ فإنَّما هي مؤاخذةٌ بذلك.

ومن الواضح، أنَّ الجهد بالمال، أو بالدَّعوة والعلم، مقدور عليهما، حتى في حال غياب الأمير (الخليفة)، أمَّا الجهاد بالسَّيف؛ فلا يكون إلاَّ بإمام يندب النَّاس إليه، ويأمرهم به، ويجمعهم عليه، وقد علمنا أنماطاً فريدةً -حفظها لنا التَّاريخ- من العلماء، فاقوا الملوك والأُمراء عزَّاً، وَظَفراً، وبأساً، وملكوا قلوبَ النَّاس من غير قهرٍ ولا سلاحٍ(17) ، وسعت إليهم الأُمَّة في طواعية وحبٍّ، لم يكن بدٌّ معه أن يَستصغر الملوك والأمراء في زمانهم شأنهم معهم، وأن يَجدوا في سيرتهم مرتعاً خِصباً مُمرعاً، يقبسون منه الورع والزُّهد والاستقامة على الأمر، فكان أن أخذ عنهم أولئك الملوك والأمراء علماً عمليَّاً، ألَّف بين قلوبهم، وأودعها مودَّةً صادقَةً، نفرت منها العداوة والبغضاء، ومالت بهم جميعاً إلى قولٍ من أحسن قوله صلى الله عليه وسلم: "خير أمرائكم الذي تحبُّونهم ويحبُّونكم، وتُصلُّون عليهم ويُصلُّون عليكم"(18).

هي السلفية نسبة وعقيدة ومنهجا · الصفحة ١٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

هي السلفية نسبة وعقيدة ومنهجاص ١٨٢