أليس من الواجب عليهم أن ينكروها قبل استفحال أمرها وتأصلها؟ ولمَ لمْ يفعلوا؟؟.
ونجيب الإخوة المتسائلين، فنقول:
لقد أنكر هذه البدعة العلماء من يوم ظهورها، وكتبوا في ردها الرسائل، ومن قدر له الإطلاع على كتاب المدخل لابن الحاج عرف ذلك وتحققه. ومن بين الردود القيمة رسالة الشيح تاج الدين عمر بن علي اللخمي الإسكندري الفقيه المالكي، صاحب شرح الفاكهاني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، والتي سماها (المورد في الكلام على المولد) وسنثبت نصها في هذه الخاتمة. غيرأن الأمم في عصور انحطاطها تضعف عن الاستجابة لداعي الخير والإصلاح ; بقدر قوتها على الاستجابة لداعي الشر والفساد، لأن الجسم المريض يؤثر فيه أدنى أذى يصيبه، والجسم الصحيح لا يؤثر فيه إلا أكبر أذى وأقواه. ومن الأمثلة المحسوسة أن الجار الصحيح القوي تعجز عن هدمه المعاول والفؤوس، والجار المتداعي للسقوط يسقط بهبة ريح أو ركلة رجل. ولذا فلا يدل بقاء هذه البدعة وتأصلها في المجتمع الإسلامي على عدم إنكار العلماء لها، وها هي ذي رسالة تاج الدين الفكاهاني في تقديمها شاهد على ذلك: قال رحمه الله تعالى بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله:
أما بعد: فإنه قد تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمل ه بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد، هل له أصل في الشرع، أو هو بدعة وحدث في الدين؟؟
وقصدوا الجواب عن ذلك مبيناً، والإيضاح عنه معيناً فقلت وبالله التوفيق:
لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولاسنة، ولم يُنقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها المبطلون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون، بدليل أنا إذا أدرنا عليها الأحكام الخمسة: قلنا إما أن يكون واجباً أو مندوباً أو مباحاً أو مكروهاً أو محرماً، وليس هو: بواجب إجماعاً ولا مندوباً، لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشارع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشارع ولا فعله الصحابة ولا التابعون ولا العلماء المتدينون فيما علمت. وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سُئلت.
ولا جائزاً ولا بمباحاً، لأن الابتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين.