والدعاة إليها بين المسلمين، وذلك بساط قد طوي، وإن كثيراً من المسلمين ليعادوننا ولا ذنب لنا عندهم، إلا الإنتصار للسنّة السنيّة، والدعوة إلى الله ورسوله بالحق لا بالأهواء) (1).
فهذا مولد ابن الديبع، وهو المولد المشهور في كثير من البلدان ; كما يذكر ذلك المالكي. وقد اقتطف لنا الشيخ محمد رشيد رحمه الله مقتطفات قد تدل على صحة وحقيقة ما يقوله السائل عن الطالب الغريب ; بأن في قصة مولد ابن الديبع كذباً وخرافات، وقد يكون هذا المولد نموذجاً للموالد الأخرى. وقد تحصلنا على نسخة من مولد ابن الديبع، مما أخرجه وعلق عليه محمد علوي المالكي، وهو منسوب إلى الحافظ المحدث عبدالرحمن الشيباني، فوجدناه هو المولد الذي اطلع عليه الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله، وسخر منه واستهزأ بمؤلفه، و وصفه
بالجهل، وفيه الحديثان اللذان أنكرهما الشيخ محمد رشيد. ولعل المالكي قد تصرف في الحديث الأول فحذف منه: إن قريشاً كانت نوراً بين يدي الله تبارك وتعالى. وقد رأينا في مولد السخاوي هذه العبارة مثبتة من حديث ابن عباس، و ذكره السخاوي عن القاضي عياض في الشفاء بلا سند. ويظهر لنا أن المالكي حينما تصرف بحذف ما حذف من الحديث ; كان يقصد من ذلك تمرير هذا الحديث دون أن يكون فيه ما يلفت النظر.
وسواء عندنا صدر ذلك المولد عن ابن الديبع المحدث الشهير، أم صدر عن غيره بذلك الإسم، أم انتحل اسم ابن الديبع ليكون في ذلك ترويج لهذا المولد ; فالواجب على طالب العلم أن يعرف الرجال بالحق، لا أن يعرف الحق بالرجال،
ولعل الله سبحانه وتعالى يتيح لنا فرصة أخرى لنتتبع كتب الموالد التي استعرضها المالكي، ونقول عن كل مولد ما يظهر لنا فيه من حق أو باطل، جاعلين في الاعتبار غض النظرعن مؤلفه مهما كان، فإن الرجال يعرفون بالحق كما قلنا.
وبعد، فقد انتهت وقفاتنا مع المالكي في رسالته البتراء، ونكرر أسفنا وتأثرنا من القسوة التي آثرنا أن يشتمل عليها أسلوبنا في رد ترهاته وأباطيله، ويعلم الله أن الباعث لهذا الأسلوب القاسي الغيرة لحق الله، والغضب مما يغضب الله، و التقرب إليه تعالى برد ما ينافي تحقيق
(1) - انظر الجزء 2، ص 464 من فتاوى محمد رشيد.