والغالب على هذا الضرب هو أعمال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.
وأما المرتبة الثانية: فهي كثيرة جداً في طرق المتأخرين من المنتسبين إلى علم أو عبادة، ومن العامة أيضاً، وهؤلاء خير ممن لا يعمل عملاً صالحاً مشروعاً ولا غير مشروع، أو من يكون عمله من جنس المحرم، كالكفر والكذب و الخيانة والجهل، ويندرج في هذا أنواع كثيرة. فمن تعبد ببعض هذه العبادات المشتملة على نوع من الكراهة ; كالوصال في الصيام، وترك جنس الشهوات ونحو ذلك، أو قصد إحياء ليال لا خصوص لها ; كأول ليلة من رجب ونحو ذلك ; قد يكون حاله خيراً من حال البطال الذي ليس فيه حرص علىعبادة الله وطاعته، بل كثير من هؤلاء الذين ينكرون هذه الأشياء زاهدون في جنس عبادة الله; من العلم النافع، والعمل الصالح أو في أحدهما لا يحبونها ولا يرغبون فيها، لكن لا يمكنهم ذلك في المشروع، فيصرفون قوتهم إلى هذه الأشياء، فهم بأحوالهم منكرون للمشروع وغير المشروع، وبأقوالهم لا يمكنهم إلا إنكار غير المشروع.
ومع هذا ; فالمؤمن من يعرف المعروف وينكر المنكر، ولا يمنعه من ذلك موافقة بعض المنافقين له ظاهراً في الأمر بذلك المعروف، والنهي عن ذلك المنكر، ولا مخالفة بعض علماء المؤمنين. فهذه الأمور وأمثالها مما ينبغي معرفتها والعمل بها.
النوع الثالث: ما هو معظم في الشريعة كيوم عاشوراء، ويوم عرفة، ويومي العيدين، والعشر الأواخر من شهر رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، و ليلة الجمعة ويومها، والعشر الأول من محرم، ونحو ذلك من الأوقات الفاضلة.
فهذا الضرب قد يحدث فيه ما يعتقد أن له فضيلة، وتوابع ذلك ما يصير منكراً ينهى عنه، مثل ما أحدث بعض أهل الأهواء في يوم عاشوراء من التعطش، والتحزن والتجمع، وغير ذلك من الأمور المحدثة التي لم يشرعها الله ولا رسوله، ولا أحد من السلف، لا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من غيرهم). اهـ المقصود (1).
وبهذا يظهر لنا وجه تدليس المالكي وتلبيسه، حيث نقل بعض الكلام، وترك بعضه مما هو حجة عليه، فنقل قول الشيخ:
(1) - انظر اقتضاء الصراط المستقيم، ص 267 – 299.