لقد كنت أوقن وأنا أنقل الخطوات هنا وهناك أن المسلمين لا يعرفون حقيقة النبوة ، ولا يفقهون معنى الرسالة ، ولا يدركون ما يجب عليهم بإزائها، إنهم- كما عبر البوصيرى- قوم نيام يتسلون عن الحقائق بالأحلام. والنيام الذين يبدون فى صور الأيقاظ كثيرون . وأسمع إلى أبى الطيب يصف فريقا منهم ، وكأنه معنا فى هذا العصر ، يصف المجتمع الإسلامى المعتل : أرانب غير أنهمو ملوك مفتحة عيونهم نيام! بأجسام يحر القتل فيها وما أسيافها إلا الطعام! تأمل هذا الوصف لعبيد الشهوات ، وصرعى الملذات ، إنهم يظلون منكبين على دنياهم حتى يختنقوا داخلها كما يختنق دود القز بالإفرازات التى ينسجها . . والأمم التى تستسلم لدناياها على هذا النحو لا تصلح للحياة ، ولا تنتصر على عدو بله أن تتصدر القافلة الإنسانية وتخدم رسالة عالمية ! ! وهذا الفريق من المخدرين فى مشاعرهم ، المتبلدين فى أفكارهم ، عبء على العقائد التى يعتنقها ، إنه يشينها ولا يزينها ، ويلقى عليها أوزاره بدل أن يدعها تغسل عنه أوضاره .. ومن حق كل ذى لب أن يسأل: هل المسلمون الذين يحتشدون ألوفا لتحية المولد النبوي منطقيون مع أنفسهم ومبادئهم ؟ ما أظن الواقع ولا الخيال يجيبان بالإيجاب.. إن احتفالات المسلمين بميلاد نبيهم مع تركهم لأركان دينه ، وصدهم عن سبيله ، مرض نفسى واجتماعي يحتاج إلى الدرس والشرح . . ! ! وقد لاحظت فى تجاربي مع الناس ، أن البعض يكتفى فى إثبات ولائه لأهل الصدارة وأولى الأمر ، بكلمات ملق يزورها ، ومظاهر زلفى يجيدها . . ! فإذا تقاضاه الولاء المزعوم موقفا صارما ، أو مغرما ثقيلا ، كان أول الفارين! وكم فى الدنيا من أناس يخدعون الآخرين بهذا الأسلوب الميسور، يقتربون منهم ما دام الاقتراب رخيص الثمن سريع النفع ، فإذا بهظ الثمن أو عز النفع لم تجد لهم أثرا ! ! ص _094
حصاد الغرور · الصفحة ٨٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
حصاد الغرورص ٨٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي