الحمراء والخضراء باستمرار فى طريق المبادئ والأخلاق ، فما كان معروفا سمح له بالمرور ، وإلا وقف فى مكانه وأغلقت فى وجهه كل الطرق . . ! ! ذلك معنى قوله جل جلاله فى سرد مؤهلات النصر ((الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)) . فهل أرض الإسلام الآن على هذا المستوى الشريف الغيور اليقظ ؟ أم إن العلل الخلقية والاجتماعية استوطنت بلادنا ، وغفا الحراس عنها أو غطوا فى نوم عميق ؟ فى اليهود الذين وبخهم الوحي الإلهي ، وردد لعنهم على لسان المرسلين تقرأ قوله تعالى: ((وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون ، لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون)) . فهل هذا الوصف للمجتمع اليهودي اللعين وحده ؟ أم تراه صادقا على مجتمعات شتى فى العواصم الإسلامية الصاخبة بالعصيان ودواعيه ، الطافحة بجراءة الفساق ، وجبن العلماء ؟ أيحسب عاقل أن هذه أسباب النصر والتحرر ؟ إن فى بلادنا من يدافع عن حرية الإلحاد ، والسكر ، والزنا ، بلسان طلق ، فإذا حدث عن حرية الإيمان والعفاف واليقظة الفكرية والأدبية امتعض واشمأز فهل يجر الهزيمة والعار إلا مثل هؤلاء الدواب ؟ والله عز وجل ما أكرم أحدا قط لصورة اللحم والدم ، إنما أكرم من عباده من زكت شمائلهم ، وطهرت سرائرهم ، وصلحت علانيتهم ، وساروا فى أرضه دعاة له ، يمجدون اسمه ، وينفذون حكمه ، ويرفعون علمه . . من استجمع هذه الخلال فهو سيد ، وإن كان من الجنس الأبيض أو الأصفر أو الأسود ، فما للون أو للنسب وزن عند الله . وقد ذكرنا أن بنى إسرائيل كرموا ونعموا ، يوم حملوا رسالة التوحيد ، وتحملوا فى سبيلها العنت . . ثم زعموا بعد ذلك أن تكريمهم وتنعيمهم ليسا لهذه الأسباب ، إنما هما لأنه بينهم وبين الله صلة خاصة ، جعلت جنسهم ممتازا على الخلق كافة . .
حصاد الغرور · الصفحة ٢٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
حصاد الغرورص ٢٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي