والتجاوز إما معنوي كقوله تعالى (أذهب الحزن عنه)، وإما حسي، نحو: ((مسح العرق عن وجهه). وسنجد في معاني (عن) التالية تأويلات وتقديرات من التجاوز هي أقرب لمعانيها الحقيقية الفطرية.
2-البدل: كما في الحديث الشريف: ((صومي عن أمك))، ونرى أن معنى (التجاوز) أولى به بتقدير: ((دعي ثواب صومك يتجاوزك إلى أمك)).
3-الاستعلاء: كقوله تعالى ((.. فإنما يبخل عن نفسه))(40). أي على نفسه، والاستعلاء هنا غير حقيقي، لأنه يقتصر على إمكان استعمال (على) بدلاً من (عن). فالمقصود فيما نرى هو: ((أن ضرر البخل يتجاوز الآخرين إلى نفس صاحبه)).
4-التعليل: كقوله تعالى: ((وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك))، أي بسبب قولك. ولكن معنى (عن) هنا يتوافق مع معنى التجاوز المستمد من محصلة خصائص حرفيها ومعانيهما كما أسلفنا في مثال:
... ((تلقى الفقه عن شيخه)). ويظهر هذا المعنى جلياً لو عكسنا المعنى وقلنا: ((عبدنا الله عن قولك)).
5-مرادفة (بعد): كقوله تعالى: ((يحرِّفون الكلم عن مواضعه))(41)-وكقوله أيضاً:
... ((لَترْكبنَّ طبقاً عن طبق))(42) أي حالة بعد حالة. والتجاوز هنا واضح لا يحتاج إلى تأويل أو تقدير. فالتحريف يتم هنا بنقل الكلام من موضع إلى موضع في حركة (انزلاقية-تجاوزية). وكذلك الأمر في الانتقال من حال إلى حال.
6-الظرفية: كقول الشاعر:
((وآسِ سُراةَ الحيِّ حيثُ لقيتَهم ... ولا تكُ عنْ حَمْل الرِّباعةِ وانيا)).
وهذا المعنى مردُّه إلى قول بعضهم بأن فعل (ونى) لا يتعدى إلا بحرف (في) بدليل قوله تعالى:
... ((ولا تنيافي ذكري)). ولكن (ابن هشام) يحيل هذا المعنى إلى التجاوز وهو الأصح. إذ أن معنى (ونى عن كذا) جاوزه ولم يدخل فيه، أما (ونى فيه) فمعناه، دخل فيه وفتر.
7-مرادفة (مِن): كقوله تعالى: ((هو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السَّيِّئات))(43). ونرى أن التجاوز المعنوي في ((قبول التوبة (عن) عباده))، أبلغ وأوفى للغرض من استعمال (مِن) للتوبة.