تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما في المرحلة الرعوية التي أخذ التواصل فيها يتحول عن الهيجاني والإيمائي إلى التواصل بالأصوات الإيحائية، بقيادة النزعة الفنية الموسيقية كما أسلفنا، فقد بدأ الإنسان العربي يتدرب على التحول أيضاً من النظر إلى العالم الخارجي، إلى النظر في عالمه الداخلي. فراح يستبطن صدى الأصوات في نفسه لمعرفة موحياتها الحسية، فيصوِّر بموسيقاها الأحداث والأشياء في الطبيعة بأصوات كانت تقتصر موحياتها في بدء هذه المرحلة على المحسوسات كما في أحرف (ب-ث-ق-ك-د-ز-س-ر-) التي يسهل النطق بأصواتها.

فباستعراض المصادر الجذور التي تبدأ بهذه الأحرف الثمانية في المعجم الوسيط، وقد بلغت (1891) مصدراً كانت معانيها جميعاً حِسِّية: (لمسيّة- ذوقيّة- شميّة-بصريّة- سمعيّة) باستثناء (20) مصدراً جذراً منها، كانت لمشاعر إنسانية غير محسوسة، تتماس مع القيم الأخلاقية، بما نسبتها قرابة واحد في المئة. نسبة ضئيلة لا تجرح حكمنا آنف الذكر.

وألف عام بعد ألف من مران الإنسان العربي على استبطان الأصوات في نفسه قد استكشف المزيد من مشاعره الإنسانية، فكان لابد له من التعبير عنها. ولطول ما استمر على ترويض جهاز نطقه على التلفظ بأصوات الحروف بالطريقة التي توحي بمعانيها، قد امتلك الإنسان العربي جهاز نطق مطواع في منتهى الحساسية للتعبير إيحاء بكفاءة عالية عن تلك المشاعر الإنسانية المكتشفة.

وهكذا استطاع الإنسان العربي أن يبدع عدداً من أصوات الحروف المشحونة بمختلف المشاعر الإنسانية وأن يستثمر الخصائص الصوتية الموحية في بعضها تعبيراً عن مشاعره.

فكان منها (الخاء والهاء) أوحى الحروف العربية بالمشاعر الإنسانية السلبية والمعاني الرديئة.

أما حرفا (الحاء والعين)، أعسر الحروف العربية نطقاً وآخر ما أبدع الإنسان العربي من الحروف الرعوية الأصيلة، فقد كان أوحى أصوات الحروف بالمشاعر الإنسانية الإيجابية والمعاني الجيدة.

حروف المعاني بين الأصالة والحداثة- دراسة - · الصفحة ١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حروف المعاني بين الأصالة والحداثة- دراسة -ص ١٩