تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ب- أما (الميم) في (ما) فهي بحكم انطباق الشفة على الشفة تشير إلى (الجمع والضم)، ولكن عندما نقول (ما) تنفرج الشفتان عن بعضهما البعض، وينفتح الفم واسعاً مع ارتفاع الرأس إلى الأعلى في حركتين متمهلتين تشير محصلتهما إلى الرفض. على أن الصور المحسوسة من (الجمع والضم) تبقى في الذهن بعدهما، فتغلبت على معاني الرفض والنفي، كما لحظنا ذلك في دراستها. حساسية (سمعية – بصرية) فطرية لدى الإنسان العربي لا نظير لها.

ونحن لو عدنا إلى معاني (ما) واستعمالاتها التراثية لتبين لنا أنها تخلف وراءها شيئاً معيناً قد ارتبط (وجوده) بها، على العكس من (لا)، التي لا تخلف بعدها سوى النفي والعدم.

3-وإذن، ما طبيعة العلاقة بين (ما) وما يأتي بعدها من أحكام؟

إنها علاقة وجود

1- ... تأتي (ما) اسم موصول. ويعرّفه (الانطاكي) بأنه: "ما يدل على معيّن بواسطة جملة تذكر بعده) كقوله تعالى: "فانكحوا ما طاب لكم من النساء.."(76). فهذا المعيّن الذي دلت عليه (ما) هو (النساء). لهنّ (وجود) مستقل متكامل يظل ثابتاً بعد (ما) ماثلاً في (الميم).

2- ... كما تكون (ما) استفهامية، كقوله تعالى، نحو "وما تلك بيمينك يا موسى"(77). فالتي بيمينه (وهي عصاه) شيء له وجوده المستقل المتكامل ماثلاً في الذهن..".

3- ... وهكذا الأمر عندما تكون (ما) معرفة تامة خاصة كقوله تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما)(78) أو شرطية غير زمانية، كقوله تعالى: (وما تفعلوا من خير يعلمْه الله)(79). أو شرطية زمانية، كقوله تعالى: "فما استقاموا لكم، فاستقيموا لهم"(80)، أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم أو مصدرية كقوله تعالى: "ليجزيك أجر ما سقيت لنا"(81)، أي أجر سقيك..

... وهذه المعاني تتطلب أحكامها فسحة في الزمن، تتوافق شيئاً ما مع الزمن الذي يستغرقه خروج صوت (ما). أما بقية معانيها، إذا لم تتعلق صراحة بوجود، فهي لا تتضمن النفي ولا العدم.

حروف المعاني بين الأصالة والحداثة- دراسة - · الصفحة ١٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حروف المعاني بين الأصالة والحداثة- دراسة -ص ١٠٥