أما طريقة النطق بـ (ما) فهي أعقد وأطول زمناً إذ تتم على مرحلتين اثنتين متباينتين: ضم الشفة إلى الشفة بشيء من التأني حبساً للنفس، ثم بانفراجهما وفتح الفم واسعاً. ولما كانت هاتان الحركتان تستغرقان زمناً أطول مما يستغرقه النطق بـ (لا) فقد انصرف العربي عن استعمال (ما) للنفي، وجنح إلى تحميلها معان أخرى يتطلب تحقيقها زمناً أطول مما يتطلبه الرفض أو النفي، وبما يتوافق مع طول مرحلتي خروج صوتها وذلك على مثال ما عبّر العربي عن معنى القطع طولاً بكلمة (قدّ)، والقطع عرضاً بكلمة (قطّ)، لأن مخرج صوت (الدال) في (قدّ) أبعد عن مخرج (القاف) من (الطاء) في (قط) فكانت (قط) الأخصر للصوت تناسب القطع عرضاً، كما قال (ابن جني).
الأمر الثاني –معنوي: يتعلق بالمعاني الفطرية لكل من (اللام والميم).
فمن معاني (اللام) الفطرية: (الإلصاق) بما يضاهي واقعة التصاق طرف اللسان بسقف الحنك ، عند تشكل صوتها. ولكننا ألحقنا بها معاني (الجمع والضم)، وذلك لأنه ليس ثمة تعارض واضح بين معاني (الإلصاق والجمع والضم)، فهي صور مرئية محسوسة يكمل بعضها بعضاً.
وهكذا قد تداخلت في دراستنا خصائص (اللام والميم) ومعانيهما في (لا وما). ولكن –التراث اللغوي العظيم قد كشف عن الفروق الدقيقة بين معانيهما في هذا التداخل. فكيف كان ذلك؟
عودة إلى الخصائص الإيمائية لحرفي (اللام والميم):
أ- (اللام) في (لا) هي للإلصاق. وإذن، عندما نلفظ (لا) بشيء من التفخيم، ينفصل طرف اللسان عن سقف الحنك مع انفتاح الفم واسعاً وارتفاع الرأس إلى الأعلى، في حركة متناسقة موحدة سريعة مما يشير إلى الرفض بحزم وبالتالي إلى (النفي) البات ولا شيء آخر.
... فانفصال طرف اللسان عن سقف الحنك عند النطق بـ (لا)، لا يخلّف وراءه أي صورة محسوسة أخرى، سوى (حركة) الانفصال التي تشير إلى الرفض أو النفي. فاستأثرت هذه المعاني باستعمالاتها التراثية جميعاً.