المبحث الرابع
وسائل إبداء الرأي اجتهاديَّة
لقد كلف الله تعالى هذه الأمة بإبلاغ الدين ونشر الرسالة {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) (1). وجعل ذلك سبب خيريتها {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (2)، وجعل النصيحة من الدين؛ فعن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا لِمَنْ قَالَ «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (3) كما أنه كفل لأتباعه التعبير عن آرائهم (4) فيما يسوغ لهم ذلك، ولا تتحقق النصيحة والدعوة، والتعبير عن الرأي إلا بوسائل وطرق وأسباب للمسلم أن يسلكها؛ ليصل من خلالها لما يريد، ولو كانت حادثة لم ينص عليها الشرع ولم يستعملها السلف مادامت معبّرة عن المراد وموصلة إليه (5).
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدى رحمه الله: (لا ريب أن كل أمر مهم عمومي يراد إعلانه وإشاعته والإخبار به .. يُسلك فيه طريق يحصل به هذا المقصود .. ولم يزل الناس على هذا يعبرون ويخبرون على مثل هذه الأمور بأسرع وسيلة يتعمّم ويشيع فيها الخبر .. وكلما تجدد لهم وسيلة أسرع وأنجح مما قبلها أسرعوا إليها وقد أقرهم الشارع على هذا الجنس والنوع ووردت أدلة وأصول في الشريعة تدل عليه فكل ما دل على الحق والصدق والخبر الصحيح مما فيه نفع للناس في أمور دينهم ودنياهم فإن الشرع يقره ويقبله, ويأمر به أحياناً ويجيزه أحياناً, بحسب ما يؤدي إليه من المصلحة .. فاستمسك بهذا الأصل الكبير فإنّه نافع في مسائل كثيرة ويمكنك – إذا فهمته – أن تطبق عليه كثيراً من الأفراد والجزئيات الواقعة والتي لا تزال تقع ولا تقصر فهمك عنه فيفوتك خيرٌ كثيرٌ وربما ظننت كثيراً من الأشياء بدعاً محرماً إذا كانت حادثة ولم تجد لها تصريحاً في كلام الشارع, فتخالف بذلك الشرع والعقل وما فطر عليه الناس ... و الترجمة التي يحصل بها العلم لم يزل العمل بها على أي طريقة و صفة كانت, ويدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أَمر بالتبليغ عنه وتبليغ شرعه وحث على ذلك بكل وسيلة وطريقة ... و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أكبر واجبات الدين, ومن أعظم ما يدل في ذلك أنَّه إذا ثبتت الأحكام الشرعية التي يتوقف عمل الناس بها على بلوغ الخبر, فإنّه يتعيّن على القادرين إيصالها إلى الناس بأسرع طريق, و أحسن وسيلة يتمكنون بها من أداء الواجبات وتوقّى المحرمات). (6)،والسبب في هذا أن الوسائل من قبيل العادات والأصل فيها الإباحة قال الشاطبي – يرحمه الله-: (و التبليغ كما لا يتقيّد بكيفيَّةٍ معلومة؛ لأنه من قبيل المعقول المعنى, فيصح بأيّ شيء أمكن من الحفظ والتلقين و الكتابة وغيرها) (7).
(1) سورة آل عمران: آية 104.
(2) سورة آل عمران: آية 110.
(3) صحيح مسلم، 55.
(4) صدر عن منظمة المؤتمر الإسلامي في اجتماعها بالقاهرة في 14/ 1/1411هـ البيان الإسلامي العالمي لحقوق الإسلام وتضمنت المادة الثانية و العشرون منه: لكل إنسان الحق في التعبير بحريّة عن رأيه بشكل لا يتعارض مع المبادئ الشرعية. ولكل إنسان الحق في الدعوة إلى الخير و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وفقاً لضوابط الشريعة الإسلامية.
(5) ممن ذهب إلى اعتبار أن وسائل الدعوة اجتهادية تراعى فيه مصلحة الدعوة مما لا يخالف الشرع فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله كما في لقاء الباب المفتوح 15/ 49.
(6) مختارات من الفتاوى السعديَّة المسألة الثانية عشرة ص248.
(7) الاعتصام (1/ 238).