تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد نشبت خلافات واسعة في طهران حول المستوى والأسلوب الأمثل لنشاط الحرس في لبنان. وكان لدى الحرس مصلحة في إنكار مسؤوليته عن بعض أنشطته في لبنان؛ كما كان لمختلف الزعماء الإيرانيين صلات شخصية وسياسية واسعة مع المتشددين الشيعة اللبنانيين على اختلافهم؛ فعلى سبيل المثال: قام وزير الحرس السابق رفيق دوست بزيارات متكررة للبنان، ولعب دوراً رئيساً في أنشطة الحرس بلبنان؛ لأنه أقام علاقات واسعة هناك خلال التدريب الذي تلقاه على حرب العصابات، ولأنه كان مسؤولاً رسمياً عن تقديم الإسناد اللوجستي والإمدادات للحرس.

كما لعب السفير الإيراني السابق في سوريا ووزير الداخلية علي أكبر محتشمي، وهو أحد المتشددين البارزين، دوراً فاعلاً بالتعاون مع الحرس في تشكيل حزب الله، ويبدو أنه لا يزال يتمتع بنفوذ قوي في لبنان. كما تسعى السفارتان الإيرانيتان في سوريا ولبنان مع وزارة الخارجية الإيرانية وبعض الزعماء الإيرانيين إلى السيطرة على أنشطة الحرس والسياسة الإيرانية في لبنان.(1)

البناء بالحرب!!

حين وصلت الحركة الجديدة إلى "الحالة الثورية" كان لا بد من الاستجابة للنداء المقدس من ضرورة تحويل لبنان إلى دولة أخرى، وحيث الروح المعنوية عالية، والمدد المادي والعسكري والتنظيمي متوفر بكثافة وبكرم يفوق الخُلُق العربي، فكان لا بد من الخروج الكلي من الشرنقة والإعلان الواضح عن الحركة، وكان من الطبيعي أن يتوجه الجهد العسكري لمحاربة الاحتلال وتطهير الأرض اللبنانية من "رجس اليهود" والسعي إلى إخراجهم من "الأرض المقدسة" إلا أن ذلك لم يكن هدف الحركة!! يقول وضاح شرارة: "لم يصرف الإسلاميون اللبنانيون ـ والقيادة الإيرانية من ورائهم ـ جهدهم إلى عمليات ضد الإسرائيليين وقوات احتلالهم، في الأشهر الأولى التي أعقبت صيف 1982؛ فمصدر الخطر الأول على "مجتمع الحرب" أو "الحالة الجهادية"، يومذاك ليس الاحتلال الإسرائيلي!! فكان المصدر الذي يتهددها هو استقرار الدولة اللبنانية وحملها اللبنانيين على تسليم أمورهم وشؤونهم إليها وإقرارهم بشرعيتها، وهذا ـ أي التسليم والإقرار بالشرعية ـ ما كان يبعد أن يحظى به الاحتلال الإسرائيلي.

ويبرز الفرق جلياً بين الإسلاميين وبين الأحزاب والقوى السياسية التي أمدت المقاومة الوطنية اللبنانية بالمقاتلين والسلاح والخطط، في هذه المسألة، وما احتجاج الشيوعيين اللبنانيين على سبقهم في هذا الميدان إلا إمعاناً في الغلط، وفي التعامي عن الاختلاف في تقدير الأوضاع؛ فذهب الحزب الشيوعي اللبناني، والحزب السوري القومي الاجتماعي، وبعض فصائل حركة "أمل"، والمرجح أن قسماً من الفلسطينيين تابعهم على رأيهم، إلى أن الأمر الملحّ والداهم هو عرقلة الاحتلال الإسرائيلي، والحؤول دون استتبابه، والمضي على المقاومة التي جابهت العملية الإسرائيلية ـ ولو اختلف في تقويم هذه المقاومة ـ وعقدت الأحزاب والمنظمات آمالها على قيامها بـ "حرب التحرير" هذه، ورجت أن تقطف ثمار عملها قوة جديدة تمكنها من أخذ موقع سياسي راجح في الميزان اللبناني، وتضافر على تصويب هذا التناول وتصحيحه الرسم السياسي والتاريخي المتحدرُ إلى الحركات السياسية والعسكرية اللبنانية والعربية من ثقافة "حركات التحرير الوطني" المصطبغة بصبغة لينينية عميقة. وقوام هذا الأسلوب أن الحكم والسلطة يؤولان إلى من يضطلع بمهمات الحرب على الأجنبي والمحتل، وأن الحرب هذه حربان: واحدة على الأجنبي و أخرى على "حلفائه" أي: فعلاً وعملاً، على من قد ينازع "حركة التحرير" بقيادة الحزب الشيوعي المفترضة الحكم والسلطة، فالسبّاق إلى الحربين والساعي بحرب الأجنبي إلى حرب الوطني المنافس هو الأوفر حظاً في الاستيلاء على السلطة، ويسمي المرشحون لمثل هذه الدور، يسمون هذه الحبكةَ: إنجاز مهمات المرحلة الوطنية بقيادة الطبقة العاملة.

(1) راجع المصدر السابق، 139 ـ 140، 178، 180، وانظر: دولة حزب الله، ص 277. وانظر: مجلة المقاومة العدد: 31، ص 4.

حقيقة المقاومة · الصفحة ٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حقيقة المقاومةص ٣٩