تُقَاةً) (1)، وقد جزم ابن جرير في تفسير بكفر من فعل ذلك .. فليتأمل من نصح نفسه هذه الآيات الكريمات وليبحث عما قاله المفسرون وأهل العلم في تأويلها وينظر ما وقع من أكثر الناس اليوم فإنه يتبين له إن وفّق وسُدّد أنها تتناول من ترك جهادهم وسكت عن عيبهم وألقى إليهم السلم فكيف بمن أعانهم أو جرهم على بلاد أهل الإسلام أو أثنى عليهم أو فصلهم بالعدل على أهل الإسلام واختار ديارهم ومساكنتهم وولايتهم وأحب ظهورهم، فإن هذا ردة صريحة بالاتفاق. قال الله تعالى (وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (2) ".
ومثل المحبة الطاعة كما تقدم عن ابن كثير فإن الذي يطيع المخلوق كما يطيع الخالق أي طاعة فيها ذل وخضوع وتعظيم ومحبة واستسلام بحيث لا يعارض أمره بأمر غيره فإنه لم يكفر بالطاغوت، وإذا لم يكفر بالطاغوت انهدم إيمانه لفقد ركن منه، وهذا كحال أهل الكتاب الذين قال الله عنهم (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ) (3)، ومما يبين عظيم منزلة المحبة في الإيمان أن من أبغض الرسول صلى الله عليه وسلم أو أبغض بعض ما جاء به أو كره أن ينتصر دين الرسول صلى الله عليه وسلم أو استهزأ بشيء منه فقد كفر كفراً أكبر (4)، ولا شك أن من هذه حاله لم يكفر بالطاغوت وهو هواه الباطل المصادم للحق، وبهذا ينهدم إيمانه.
ومما يزيد هذا الأمر إيضاحاً أن الله تبارك وتعالى ذكر في كتابه الكريم بأساليب متعددة ما يدل على أن الكفر بالطاغوت ركن في الإيمان، ومن هذه الأساليب:
أسلوب الشرط كقوله تعالى (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا) (5).
ومنها الإخبار بأن من لم يكفر بالطاغوت يكون إيمانه مزعوماً لا حقيقة له كقوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ) (6).
(1) آل عمران: 28.
(2) المائدة: 5.
(3) التوبة: 31.
(4) انظر مجموعة التوحيد: 5/ 38.
(5) البقرة: 256.
(6) النساء: 60.