3. وهذه قصة أخرى لعاق رمى أمه في دار العجزة ولم يزرها لعدة سنوات، وزمن طويل لم يعرفها، حتى الاتصال لم يتصل عليها، حرم نفسه برها، وأكتسب الإثم بعقوقها، وعندما حانت ساعة وفاتها وأخذت في الاحتظار بكت، ونادت المسؤولين وقالت لهم اتصلوا على ولدي، أريد أن أضمه قبل أن أموت، أريد أن أقبله، أريد أن أعانقه، مع كل ذلك العقوق إلا أن حنانها وعطفها وحبها لوليدها أبى عليها إلا أن تضمه وتقبله وتعانقه ! فما ذا عساه يفعل ذلك العاق المجرم ؟ أيهرع لزيارتها ؟ أينكب عليها مقبلاً ومتسامحاً ؟ أيذرف دموع الحزن والأسى على ما فرط في جنب أمه ؟ لا هذا ولا ذاك ، ولكن كانت المفاجأة المتوقعة منه ومن أمثاله أهل العقوق والإجرام أن اتصلوا على ولدها، وقالوا له: إن أمك تحتضر وتريد أن تراك، وتقبلك وتملأ عينيها برؤيتك قبل أن تموت، فقال هذا المجرم العاق: ما عندي وقت، وقتي ضيق، عندي أعمال، عندي تجارات ثم أغلق الهاتف، ثم ماتت هذه الأم، ولم تر ولدها ماتت ساخطة عليه، فاتصل المسؤولون على الولد فقالوا: لقد ماتت أمك العجوز، فرد قائلاً: أكملوا الإجراءات وادفنوها.
ياله من عقوق وأي عقوق، أترمي الأم في دار المسنين، أترمي قرة العين، ومهجة الفؤاد دور الرعاية ، أترمي من جعلت بطنها لك وعاءً، وصدرها لك طعاماً، وحجرها لك مجلساً، أتترك تلك الحبيبة التي سهرت الليالي والأيام حبيسة الجدران ، أتعق من قاست المتاعب والآلام، وتركت الشراب والطعام من أجل راحتك و خدمتك، ﴿ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ﴾ [ الرحمن60 ] .
وقال تعالى : ﴿ ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ﴾ [ الأحقاف15 ] .