أعرابي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم -وكل هذا في الصحيحين- فقال: "يا رسول الله، هل نرى ربنا؟ " هذه القلوب الفطرية .. قارن بين هذا الأعرابي الذي يسأل النبي صلى الله عليه وسلم فيحب الصحابة سؤاله -لأنهم منعوا من الأسئلة، فكانوا يحبون الأعراب لجرأتهم- لم يقم أحد من المتفلسفين المتكلمين الفاجرين ليتكلم عما يزعمه من تنزيه الله أنه لا يرى جل في علاه!. فيقول: «هل تضام في رؤية الشمس في رابعة النهار؟ هل تضام في رؤية القمر في ليلة الرابع عشر؟» قال: لا؛ قال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا البدر»؛ سترون ربكم .. فأعظم نعيم هو رؤية الله سبحانه وتعالى.
الإمام الشافعي رحمه الله وهو القائل بالمفهوم .. ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (15)﴾ هؤلاء الفجار الذين هم في سجين -كما تقدم هذه الآية في سورة المطففين- أي: مسجونون، فالمسجون لا يرى إلا العذاب والمشقة؛ وهم في سجنهم -أي: في سجين- فهم محجوبون عن أعظم النعم، وأعظم النعم ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (15)﴾. قال الشافعي رحمه الله: لما كان أعظم العذاب على الكافرين في النار أنهم يحجبون عن ربهم، دل على أن أعظم النعم للمؤمنين هي رؤية ربهم سبحانه وتعالى.
المؤمنون سيرون الله سبحانه وتعالى، سيرونه؛ سيرى المؤمنون ربهم كما يرون هذا القمر وهو في الرابع عشر -في اكتمال بدره- لا يضامون في رؤيته. والضيم هو مشقة النظر؛ مشقة النظر قد تكون بسبب أن المنظور يصيب المشقة، أو أن الناس يتجمعون من أجل رؤيته فيصيب بعضهم بعضًا المشقة، وهذا لا يحصل .. الله عز وجل يطلع عليهم وهم في منازلهم، يطلع عليهم سبحانه وتعالى فيحل عليهم رضوانه؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أكبر من الجنة، أكبر من الحور العين، أكبر من الأنهار التي تجري تحت القصور، أكبر من الثمار .. أكبر من كل ما في الجنة هو أن يحل الله سبحانه وتعالى عليهم الرضوان.
هذا الرضوان يحسونه .. يحسونه فرحًا؛ وهذا دليل على أن المؤمن همه أن يرضي الله عز وجل، أن يرضى عنه الحبيب؛ أن يرضى عنه الله العظيم هو أهم من كل شيء. وهذه تدل على نفسية المؤمن وأنه يعيش إنسانيته بطلبه الأشياء من نعم البدن -من طعام، من شراب، من رؤية- ولكن أعظم من ذلك هو أن يرضى عنه حبيبه، أن يرضى عنه ربه سبحانه وتعالى، أن يرضى عنه الملك العظيم ... لو أن رجلًا سمع أن الملك رضي عنه، يفرح كأنه أعطي الدنيا وما فيها؛ لو أن الابن الذي يحب والده علم أن والده يحبه، لفهم أن هذا الحب أعظم من أشياء كثيرة في هذه الدنيا.