9. ائتمانُ الإنسان على منهجه
قال تعالى في سورة الأحزاب : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴿72﴾ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿73﴾ }
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الأَمَانَةُ هُنَا تَعْنِي الطَّاعَةَ ، وَقَالَ أَيْضاً : إِنَّها الفَرَائِضُ .
يَقُولُ تَعَالى : إِنَّهُ عَرَضَ التَّكَاليفَ عَلَى السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَالجِبَالِ ، فَلَمْ يُطِقْنَ حَمْلَها ، وأَشْفَقَتْ مِنْها مَخَافَةَ التَّقْصِيرِ فِي أَمرٍ أَرَادَهُ اللهُ ، ثُمَّ عَرَضَهَا عَلَى آدَمَ وَقَالَ لَهُ : إِنَّنِي قَدْ عَرَضْتُ الأَمَانَةُ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبالِ فَلَم يُطِقْنَها ، فَهَلْ أَنْتَ آخذٌ بِمَا فِيها؟
قَال : يَا رَبِّ وَمَا فِيها؟ قَالَ : إِنْ أَحْسَنْتَ جُزِيْتَ ، وَإِنَّ أَسَأْتَ عُوقِبْتَ .
فَقَبلَ آدمُ حَمْلَها بِمَا فِيها . وَهكَذَا حَمَلَ الإِنسَانُ الأَمَانَةَ عَلَى ضَعْفِهِ ، وَكَانَ جَاهِلاً بِثِقَلِها ، ظَلُوماً نَفْسَهُ بِحَمْلِها ، إِلاَّ مَنْ عَصَمَ اللهُ ..
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ بَيْنَمَا النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فِى مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِىٌّ فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحَدِّثُ ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ مَا قَالَ ، فَكَرِهَ مَا قَالَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَمْ يَسْمَعْ ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ « أَيْنَ - أُرَاهُ - السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ » . قَالَ هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ « فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ » . قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا قَالَ « إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ » صحيح البخارى(1).
" إنها أمانة ضخمة حملها هذا المخلوق الصغير الحجم , القليل القوة , الضعيف الحول , المحدود العمر ; الذي تناوشه الشهوات والنزعات والميول والأطماع . .
وإنها لمخاطرة أن يأخذ على عاتقه هذه التبعة الثقيلة . ومن ثم (كان ظلوما) لنفسه(جهولا) لطاقته . هذا بالقياس إلى ضخامة ما زج بنفسه لحمله . فأما حين ينهض بالتبعة . حين يصل إلى المعرفة الواصلة إلى بارئه , والاهتداء المباشر لناموسه , والطاعة الكاملة لإرادة ربه . المعرفة والاهتداء والطاعة التي تصل في طبيعتها وفي آثارها إلى مثل ما وصلت إليه من سهولة ويسر وكمال في السماوات والأرض والجبال . . الخلائق التي تعرف مباشرة , وتهتدي مباشرة , وتطيع مباشرة , ولا تحول بينها وبين بارئها وناموسه وإرادته الحوائل . ولا تقعد بها المثبطات عن الانقياد والطاعة والأداء . . حين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة وهو واع مدرك مريد . فإنه يصل حقا إلى مقام كريم , ومكان بين خلق الله فريد .إنها الإرادة والإدراك والمحاولة وحمل التبعة . . هي هي ميزة هذا الإنسان على كثير من خلق الله . وهي هي مناط التكريم الذي أعلنه الله في الملأ الأعلى , وهو يسجد الملائكة لآدم . وأعلنه في قرآنه الباقي وهو يقول: (ولقد كرمنا بني آدم) . . فليعرف الإنسان مناط تكريمه عند الله . ولينهض بالأمانة التي اختارها ; والتي عرضت على السماوات والأرض والجبال , فأبين أن يحملنها , وأشفقن منها . . !
ذلك كان . .(ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات , ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات . وكان الله غفورا رحيما) . .فاختصاص الإنسان بحمل الأمانة ; وأخذه على عاتقه أن يعرف بنفسه , ويهتدي بنفسه , ويعمل بنفسه , ويصل بنفسه . . هذا كان ليحتمل عاقبة اختياره , وليكون جزاؤه من عمله . وليحق العذاب على المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات . وليمد الله يد العون للمؤمنين والمؤمنات , فيتوب عليهم مما يقعون فيه تحت ضغط ما ركب فيهم من نقص وضعف , وما يقف في طريقهم من حواجز وموانع , وما يشدهم من جواذب وأثقال . . فذلك فضل الله وعونه . وهو أقرب إلى المغفرة والرحمة بعباده: (وكان الله غفورا رحيما) . .(2)
ــــــــــــــــــــ
(1) - برقم (59 )
(2) - في ظلال القرآن - (ج 6 / ص 102)