تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

40. الاستهزاءُ بدين الله أو رسله :

قال تعالى : ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) ﴾ [الرعد/32]

يَقُول تَعَالَى مُسَلِّيًا لِرَسُولِهِ فِي تَكْذِيب مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمه " وَلَقَدْ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلك " أَيْ فَلَك فِيهِمْ أُسْوَة " فَأَمْلَيْت لِلَّذِينَ كَفَرُوا " أَيْ أَنْظَرْتهمْ وَأَجَّلْتهمْ " ثُمَّ أَخَذْتهمْ" أَخْذَة رَابِيَة فَكَيْفَ بَلَغَك مَا صَنَعْت بِهِمْ وَعَاقَبْتهمْ وَأَمْلَيْت لَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة أَمْلَيْت لَهَا وَهِيَ ظَالِمَة ثُمَّ أَخَذْتهَا وَإِلَيَّ الْمَصِير"

قوله - سبحانه - ﴿ وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ . . . . ﴾ تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من حزن بسبب تعنت المشركين معه . ومطالبتهم له بالمطالب السخيفة التى لا صلة لها بدعوته ، كطلبهم منه تسيير الجبال وتقطيع الأرض ، وتكليم الموتى .

والاستهزاء : المبالغة فى السخرية والتهكم من المستهزأ به . والإِملاء : الإمهال والترك لمدة من الزمان .

والتنكير فى قوله ﴿ برسل ﴾ للتكثير ، فقد استهزأ قوم نوح به ، وكانوا كلما مروا عليه وهو يصنع السفينة سخروا منه .

واستهزأ قوم شعيب به وقالوا له : ﴿ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ السمآء إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ﴾ واستهزأ قوم هود به وقالوا له : ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ . . . ﴾ واستهزأ فرعون بموسى فقال : ﴿ أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هذا الذي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ والمعنى : ولقد استهزأ الطغاة والجاحدون برسل كثيرين من قبلك -أيها الرسول الكريم - ﴿ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أى : فأمهلتهم وتركتهم مدة من الزمان فى أمن ودعة .

﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ﴾ أخذ عزيز مقتدر ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ فانظر كيف كان عقابى إياهم ، لقد كان عقابا رادعا دمرهم تدميرا .

فالاستفهام للتعجيب مما حل بهم ، والتهويل من شدته وفظاعته وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ المصير ﴾ قال ابن كثير : وَفِي الصَّحِيحَيْنِ " إِنَّ اللَّه لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتهُ " ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - " وَكَذَلِكَ أَخْذ رَبّك إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَة إِنَّ أَخْذه أَلِيم شَدِيد " .

----------------

وقال تعالى : ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ﴾ (10) سورة الأنعام

ويُسَلِّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - عَمَّا يُلاقِيهِ مِنْ عِنَادِ الكُفَّارِ وَتَكْذِيبِهِمْ ، وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى البَاطِلِ ، فَيَقُولُ لَهُ : لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ جَاؤُوا قَبْلَكَ ، وَسَخِرَ مِنْهُمُ الكَافِرُونَ مِنْ قَوْمِهِمْ ، وَمِنَ العِقَابِ الذِي أَنْذَرُوهُمْ بِهِ ، فَعَاقَبَ اللهُ الذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ فَدَمَّرَهُم ، وَنَصَرَ رُسُلَهُ وَالمُؤْمِنِينَ ، وَكَانَتِ العَاقِبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الدَّنْيا وَالآخِرَةِ . قُلْ يَا مُحَمَّدُ لأُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ الجَاحِدِينَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ : سِيرُوا فِي الأَرْضِ ، وَتَتَبَّعُوا أَخْبَارَ الأُمَمِ التِي عَاشَتْ فِيهَا ، ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَتْ نِهَايَةُ المُكَذِبِينَ ، وَعَاقِبَةُ بَغْيِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ ، فَاعْتَبَرُوا بِذَلِكَ المَصِيرِ .إن هذه اللفتة - بعد ذكر إعراضهم عنادا وتعنتا ; وبعد بيان ما في اقتراحاتهم من عنت وجهالة ; وما في عدم الاستجابة لهذه المقترحات من رحمة من الله وحلم - لترمي إلى غرضين ظاهرين:

الأول:تسلية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتسرية عنه , مما يلقاه من عناد المعرضين , وعنت المكذبين ; وتطمين قلبه - صلى الله عليه وسلم - إلى سنة الله سبحانه في أخذ المكذبين لمستهزئين بالرسل ; وتأسيته كذلك بأن هذا الإعراض والتكذيب ليس بدعا في تاريخ الدعوة إلى الحق . فقد لقي مثله الرسل قبله ; وقد لقي المستهزئون جزاءهم الحق وحاق بهم ما كانوا يستهزئون به من العذاب , ومن غلبة الحق على الباطل في نهاية المطاف

والثاني:لمس قلوب المكذبين المستهزئين من العرب بمصارع أسلافهم من المكذبين المستهزئين:وتذكيرهم بهذه المصارع التي تنتظرهم إن هم لجوا في الاستهزاء والسخرية والتكذيب . وقد أخذ الله - من قبلهم - قرونا كانت أشد منهم قوة وتمكينا في الأرض ; وأكثر منهم ثراء ورخاء , كما قال لهم في مطلع هذه الموجة ; التي ترج القلوب رجا بهذه رجا بهذه اللفتات الواقعية المخيفة .

ومما يستدعي الانتباه ذلك التوجيه القرآني:

(قل:سيروا في الأرض , ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين) . .

والسير في الأرض للاستطلاع والتدبر والاعتبار ; ولمعرفة سنن الله مرتسمة في الأحداث , والوقائع ; مسجلة في الآثار الشاخصة , وفي التاريخ المروي في الأحاديث المتداولة حول هذه الآثار في أرضها وقومها . . السير على هذا النحو , لمثل هذا الهدف , وبمثل هذا الوعي . . أمور كلها كانت جديدة على العرب ; تصور مدى النقلة التي كان المنهج الإسلامي الرباني ينقلهم إليها من جاهليتهم إلى هذا المستوى من الوعي والفكر والنظر والمعرفة .

لقد كانوا يسيرون في الأرض , ويتنقلون في أرجائها للتجارة والعيش , وما يتعلق بالعيش من صيد ورعي . . أما أن يسيروا وفق منهج معرفي تربوي . . فهذا كان جديدا عليهم . وكان هذا المنهج الجديد يأخذهم به ; وهو يأخذ بأيديهم من سفح الجاهلية , في الطريق الصاعد , إلى القمة السامقة التي بلغوا إليها في النهاية .

ولقد كان تفسير التاريخ الإنساني وفق قواعد منهجية كهذة التي كان القرآن يوجه إليها العرب ; ووفق سنن مطردة تتحقق آثارها كلما تحققت أسبابها - بإذن الله - ويستطيع الناس ملاحظتها ; وبناء تصوراتهم للمقدمات والنتائج عليها ; ومعرفة مراحلها وأطوارها . . كان هذا المنهج برمته في تفسير التاريخ شيئا جديدا على العقل البشري كله في ذلك الزمان . إذ كان قصارى ما يروى من التاريخ وما يدون من الأخبار , مجرد مشاهدات أو روايات عن الأحداث والعادات والناس ; لا يربط بينها منهج تحليلي أو تكويني يحدد الترابط بين الأحداث , كما يحدد الترابط بين المقدمات والنتائج , وبين المراحل والأطوار . . فجاء المنهج القرآني ينقل البشرية إلى هذا الأفق ; ويشرع لهم منهج النظر في أحداث التاريخ الإنساني . وهذا المنهج ليس مرحلة في طرائق الفكر والمعرفة . إنما هو "المنهج" . . هو الذي يملك وحده إعطاء التفسير الصحيح للتاريخ الإنساني .والذين يأخذهم الدهش والعجب للنقلة الهائلة التي انتقل إليها العرب في خلال ربع قرن من الزمان على عهد الرسالة المحمدية , وهي فترة لا تكفي إطلاقا لحدوث تطور فجائي في الأوضاع الاقتصادية , سيرتفع عنهم الدهش ويزول العجب , لو أنهم حولوا انتباههم من البحث في العوامل الاقتصادية ; ليبحثوا عن السر في هذا المنهج الرباني الجديد , الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند الله العليم الخبير . . ففي هذا المنهج تكمن المعجزة , وفي هذا المنهج يكمن السر الذي يبحثون عنه طويلا عند الإله الزائف الذي أقامته المادية حديثا . . إله الاقتصاد . .

وإلا فأين هو التحول الاقتصادي المفاجئ في الجزيرة العربية ; الذي ينشى ء من التصورات الاعتقادية ونظام الحكم , ومناهج الفكر , وقيم الأخلاق , وآماد المعرفة , وأوضاع المجتمع , كل هذا الذي نشأ في ربع قرن من الزمان ?!

إن هذه اللفتة: (قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين) .إلى جانب اللفتة التي جاءت في صدر هذه الموجة من قوله تعالى:(ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم , وأرسلنا السماء عليهم مدرارا , وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم , فأهلكناهم بذنوبهم , وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) . .إلى جانب أمثالها في هذه السورة وفي القرآن كله لتؤلف جانبا من منهج جديد جدة كاملة على الفكر البشري . وهو منهج باق . ومنهج كذلك فريد . .

ــــــــــــــــــــ

هَلْ تَخَلَّى اللهُ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -؟ · الصفحة ١٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

هَلْ تَخَلَّى اللهُ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -؟ص ١٣٤