إن ما يريد أن يقرره الخطاب العلماني هو أن القرآن الكريم من خلال آياته وقصصه يرسم للمؤمنين به نماذج سامية جداً ، أو بحسب تعبيرهم متعالية عن التاريخ الأرضي، ويجعل هذه النماذج قدوة للمؤمنين على مر العصور، ينظرون إليها بتقديس وإعجاب وانبهار ويحاولون محاكاتها والاقتراب منها في كل المجالات ، والمهمة التي أخذها أركون وغيره من العلمانيين على عواتقهم هي أن يقوموا بالكشف عن أرضية هذه القداسة وزيفها وإعادتها إلى حيِّز الإنسان أو حيِّز المادة .
وقد كانت جهود أركون في كل كتبه هي محاولة لهدم الثقة بين الأمة وكتابها القرآن الكريم أولاً ، وهدم الثقة بيم الأمة وعصرها الأول، ذلكم العصر الذي يمثل القدوة المثالية التي تسعى الأمة دائماً لمحاكاتها في كل زمان ومكان .
ومشى في هذا الطريق عدد من هؤلاء العابثين ومن أبرزهم : خليل عبد الكريم في كتابين له، الأول : " شدو الربابه في مجتمع الصحابة " ، والكتاب الثاني " مجتمع يثرب " . وقد وقف في هذين الكتابين عند الأخطاء والعثرات ، أو الأخبار الكاذبة المزورة، وقام بحشد كل ذلك في كتابه على مدى ثلاثةٍ وخمسين عاماً ، أي عهد البعثة النبوية والخلافة الراشدة، وقصد من ذلك أن يرسم صورة مزرية قاتمة للعهد الأول، ويستغرب كيف يغفل العلمانيون - وهم لم يغفلوا- عن دراسة الحقبة النبوية التي يتأكد من خلال دراستها بالدليل الأبلج أنها حقبة منغمسة في التاريخية ، وعندها - بنظره وبنص عبارته "" سوف ينقمع المناوئ ، وينخنس المعارض ، ويتوارى المشاكس وينكسف المعاند "" لأنه سيرى "" الحجج البواهر والبراهين السواطع والأدلة والرواسخ على صحتها وثبوتها "" أي التاريخية "(1).
(1) انظر : خليل عبد الكريم " مجتمع يثرب " ص 9 – 13 31 .