إن ديننا أباح لنا أن نتعايش مع كل أصناف الناس "" لكم دينكم ولي دين "" ، وأباح لنا أن ننعم بالتسامح مع كل المعتقدات والاتجاهات فـ "" لا إكراه في الدين "" هذا صحيح ، ولكن لماذا يكون التسامح بين العلماء المسلمين وغير المسلمين كالمسيحيين وغيرهم أكثر مما هو بين العلماء المسلمين فيما بينهم ؟ فما دمنا نقبل التعايش في ديننا مع من يدعي لله ولداً، أو مع من ينكر وجود الله عز وجل أو غير ذلك ، إذ لا سلطان لنا على ضميره ، فلماذا نضيق ذرعاً بآراء أناس مسلمين مثلنا، موحدين مثلنا، لكنهم يخالفوننا في أمور هي بالتأكيد أهون من أولئك المخالفين في الملة ؟! بعبارة أوضح : لماذا إذا اختلف المشايخ في أمور فرعية أدى ذلك إلى المشاكسة والخصام والكراهية ؟ لماذا لا نفرق بين ما هو علمي وما هو شخصي ؟ لماذا يتعانق الشيخ والقسيس ولا يتعانق الصوفي والوهابي على سبيل المثال ؟ أليس هذا خروجاً ؟!
أخشى أن يكون السبب هو الشعور بتهديد المنافع ، وتقاسم المكاسب من قبل إخواننا في الدين الذين ترشحهم مؤهلاتهم لذلك، أما الآخرون المخالفون لنا في الملة فلا يهددون منافعنا ومواقعنا الدينية – كالخطابة والتدريس والإمامة والمركز وغيرها - ولذلك تظل العلاقة الشخصية معهم في مأمن من خطر التنافس والتحاسد .
ألا يمكننا أن ننبه الآخرين إلى أخطائهم وبيان عثراتهم دون تجريح أو كراهية أو تشنج ؟ لماذا لا نحسن الخصومة العلمية التي تحافظ على المودة والاحترام ؟ لقد قال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَة وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ "" (1) .
(1) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن شداد بن أوس رضي الله عنه .