وقد كان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] على الرغم من الهول المرعب والضيق المجهد ، مثابة الأمان للمسلمين ، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان . وإن دراسة موقفه [ صلى الله عليه وسلم ] في هذا الحادث الضخم لمما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم ؛ وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ؛ وتطلب نفسه القدوة الطيبة ؛ ويذكر الله ولا ينساه . ويحسن أن نلم بلمحات من هذا الموقف على سبيل المثال . إذ كنا لا نملك هنا أن نتناوله بالتفصيل .
خرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يعمل في الخندق مع المسلمين يضرب بالفأس ، يجرف التراب بالمسحاة ، ويحمل التراب في المكتل . ويرفع صوته مع المرتجزين ، وهم يرفعون أصواتهم بالرجز في أثناء العمل ، فيشاركهم الترجيع ! وقد كانوا يتغنون بأغان ساذجة من وحي الحوادث الجارية:كان هناك رجل من المسلمين اسمه جعيل ، فكره رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] اسمه ، وسماه عمرا . فراح العاملون في الخندق يغنون جماعة بهذا الرجز الساذج:
سماه من بعد جعيل عمرا وكان للبائس يوما ظهرا
فإذا مروا في ترجيعهم بكلمة "عمرو" ، قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : عمرا . وإذا مروا بكملة "ظهر" قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ظهرا .
ولنا أن نتصور هذا الجو الذي يعمل فيه المسلمون ، والرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بينهم ، يضرب بالفأس ، ويجرف بالمسحاة ، ويحمل في المكتل ، ويرجع معهم هذا الغناء . ولنا أن نتصور أية طاقة يطلقها هذا الجو في أرواحهم ؛ وأي ينبوع يتفجر في كيانهم بالرضى والحماسة والثقة والاعتزاز .