فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت . . وهي صورة شاخصة ، واضحة الملامح ، متحركة الجوارح ، وهي في الوقت ذاته مضحكة ، تثير السخرية من هذا الصنف الجبان ، الذين تنطق أوصاله وجوارحه في لحظة الخوف بالجبن المرتعش الخوار !
وأشد إثارة للسخرية صورتهم بعد أن يذهب الخوف ويجيء الأمن:
فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد . .
فخرجوا من الجحور ، وارتفعت أصواتهم بعد الارتعاش ، وانتفخت أوداجهم بالعظمة ، ونفشوا بعد الانزواء ، وادعوا في غير حياء ، ما شاء لهم الادعاء ، من البلاء في القتال والفضل في الأعمال ، والشجاعة والاستبسال . .
ثم هم: أشحة على الخير . .
فلا يبذلون للخير شيئا من طاقتهم وجهدهم وأموالهم وأنفسهم ؛ مع كل ذلك الادعاد العريض وكل ذلك التبجح وطول اللسان !
وهذا النموذج من الناس لا ينقطع في جيل ولا في قبيل . فهو موجود دائما . وهو شجاع فصيح بارز حيثما كان هناك أمن ورخاء . وهو جبان صامت منزو حيثما كان هناك شدة وخوف . وهو شحيح بخيل على الخير وأهل الخير ، لا ينالهم منهم إلا سلاطة اللسان !
أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم . .
فهذه هي العلة الأولى . العلة أن قلوبهم لم تخالطها بشاشة الإيمان ، ولم تهتد بنوره ، ولم تسلك منهجه . فأحبط الله أعمالهم . . ولم ينجحوا لأن عنصر النجاح الأصيل ليس هناك .
وكان ذلك على الله يسيرا . .
وليس هنالك عسير على الله ، وكان أمر الله مفعولا . .
فأما يوم الأحزاب فيمضي النص في تصويرهم صورة مضحكة زرية:
يحسبون الأحزاب لم يذهبوا . .
فهم ما يزالون يرتعشون ، ويتخاذلون ، ويخذلون !
ويأبون أن يصدقوا أن الأحزاب قد ذهبت ، وأنه قد ذهب الخوف ، وجاء الأمان !
وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم . .
يا للسخرية ! ويا للتصوير الزري !