إن كثيرا من هذه المفاسد ليست مفروضة فرضا، وإنما هي واقعة مع كثير من المسلمين المقيمين في دار الكفر ممن يتزوجون الكافرات، وقد تكون هناك مفاسد كثيرة يعرفها أولئك المسلمون الذين يقعون في شراك الاستيطان في بلاد الكفر.
ولو لم يكن من تلك المفاسد إلا خشية وقوع المسلم نفسه في الارتداد عن دينه، أو التخلق بأخلاق الكفار التي لا يقرها الإسلام، وكذلك مفسدة تنشئة نسله على الكفر وعادات الكفار، لو لم يكن من تلك المفاسد كلها إلا هاتان المفسدتان لكانتا كافيتين في القول بتحريم زواج المسلم الكتابية في بلاد الكفر، فكيف بها إذا اجتمعت كلها؟!.
إذا أفضى المباح إلى محرم صار محرما
ومعلوم أن المباح هو ما استوى طرفاه، أي: فعله وتركه، فهو ليس مطلوبَ الفعل ولا مطلوب الترك شرعاً من حيث هو مباح، فإذا كان وسيلة إلى مندوب صار مطلوب الفعل ندباً، وإن كان وسيلة إلى مكروه صار مطلوبَ الترك كراهة، فإذا كان ذريعة إلى محرم صار مطلوب الترك تحريماً.
وإن كان وسيلة إلى واجب، صار مطلوب الفعل وجوباً؟ ونكاح المسلم الكتابية مباح من حيث هو، فإذا صار ذريعة إلى تلك المفاسد التي كل مفسدة محرمة وحدها، فإنه يصير مطلوب الترك تحريماً لذلك.
هذا هو الحكم الذي اطمأنت إليه النفس بالنسبة لزواج المسلم بالكتابية في ديار الكفر، ما دامت تلك المفاسد تترتب عليه، فإذا ادَّعَى مدع أن تلك المفاسد لا تترتب على ذلك وأثبت حجة على دعواه، فالأمر عندئذ يختلف، وما إخال أحداً يثبت ذلك اللهم إلا في مسائل فردية نادرة، والعبرة بالغالب وليس بالنادر.