وقد دخل في ذلك قليل الصحبة وكثيرها وقليل الجوار وكثيره، وكذلك قال الإمام أحمد وغيره: كل من صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة أو شهر أو يوماً أو رآه مؤمناً به فهو من أصحابه له من الصحبة بقدر ذلك. فإن قيل: فلم نهى خالداً عن أن يسب أصحابه إذا كان من أصحابه أيضاً وقال: «لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدكم ولا نصيفه». قلنا: لأن عبد الرحمن بن عوف ونظراءه هم من السابقين الأولين الذين صحبوه في وقت كان خالد أو أمثاله يعادونه فيه وأنفقوا أموالهم قبل الفتح وقاتلوا وهم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى فقد انفردوا من الصحابة بما لم يشركهم فيه خالد ونظراؤه ممن أسلم بعد الفتح الذي هو صلح الحديبية وقاتل، فنهى أن يسب أولئك الذين صحبوه قبله، ومن لم يصحبه قط نسبته إلى من صحبه كسبة خالد إلى السابقين وأبعد.
وقوله «لا تسبوا أصحابي» خطاب لكل أحد أن يسب من انفرد عنه بصحبته - صلى الله عليه وسلم - وهذا كقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر: «أيها الناس إني قد أتيتكم فقلت إني رسول الله إليكم, فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت فهل أنت تاركو لي صاحبي فهل أنتم تاركو لي صاحبي»كما قال بأبي هو أمي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك لمن عاير بعض الصحابة أبا بكر وذاك الرجل من فضلاء أصحابه، ولكن امتاز أبو بكر عنه بصحبته وانفرد بها عنه.