المسعى (1) في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عريضاً، وبنيت تلك الدور بعد ذلك في عرض المسعى القديم، فهدمها المهدي، وأدخلَ بعضها في المسجد الحرام، وترك بعضها للسعي فيه، ولم يحوّل تحويلاً كليًّا، وإلاّ لأنكره علماء الدين)، والإمام الفاسي في شفاء الغرام 1/ 520 قال: (وذكر الأزرقي ما يقتضي أنّ موضع السعي فيما بين الميل الذي بالمنارة والميل المقابل له لم يكن مسعى إلاّ في خلافة المهدي العباسي بتغيير موضع السعي في هذه الجهة وإدخاله في المسجد الحرام في توسعة المهدي له ثانياً)، ثم ذكر الإمام الفاسي أنّ الأمة مجمعة على صحة السعي مما يدل على أنّ المهدي لم يخرج عن المسعى الصحيح.
الطريقة الثانية: أنّ بعض العلماء لم يُحدِّد مراد الأزرقي من كلامه هذا، إنما اكتفى بتنبيه القارئ أن لا يَتوهّم خلافَ ما تواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بسبب عبارة الأزرقي، ومِن هؤلاء الإمامُ الرّملي في نهاية المحتاج 3/ 291 حيث قال: (وهو المسعى المعروف الآن وإن كان في كلام الأزرقي ما يوهم خلافه)، وقال مُلاّ علي قاري في مرقاة المفاتيح 5/ 501: (والمسعى: هو المكان المعروف اليوم لإجماع السلف والخلف عليه كابراً عن كابر، ولا ينافيه كلام الأزرقي (2)).
وفي نهاية الردّ على هذه الشبهة نقول: أيًّا ما يكون معنى كلام الأزرقي ومراده فإنّ جميع الكلام حول هذه المسألة ينحصر في الجهة الغربية للمسعى، والكلُّ متفق ظاهراً وباطناً على أنّ الأرض مِن الجهة الشرقية للمسعى هي خارجَ المسعى، وهذه لا خلاف فيها، لا خلافاً لفظياً ولا خلافاً حقيقيًّا، وأنتم بَنَيتم المسعى الجديد من الجهة الشرقية، وبذلك خالفتم إجماعَ الأمة بلا أيِّ نقلٍ عن أيِّ مسلمٍ في أيِّ عصرٍ.
وفي ختام هذا الفصل أقول لك أيها القارئ الكريم: حاولتُ إيراد أكثر الشبه انتشاراً وتأثيراً بين المسلمين ومشايخهم، وأعرضتُ عن بعض الشُّبَه لأنها غير منتشرة ولا تحتاج للردِّ عليها، وعلى فرض أنّ إحدى هذه الشُّبَه استشكلتْ على أحد القراء الكرام فما عليه إلاّ أن يرجع ويقرأ الكتاب بتمعّن
(1) المراد مكان الهرولة بدليل السياق والسباق مما نقلته ومما لم أنقله، فيرجى الرجوع لكلام القطبي كاملاً.
(2) في المطبوع "الأذرعي" والظاهر أن هذا خطأ مطبعي، وقد وصلتُ لهذه النتيجة بعد بحث طويل، والله أعلم.