تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأبو حنيفة يرى ضرورة العمل الجماعي والإلتقاء على رجل صالح

قال ابن المبارك: لما بلغ أبا حنيفة قتل إبراهيم الصائغ، بكى حتى ظننا أنه سيموت, فخلوت به، فقال: (كان والله رجلا عاقلا، ولقد كنت أخاف عليه هذا الأمر).

قلت: وكيف كان سببه?

قال: (كان يقدم ويسألني، وكان شديد البذل لنفسه في طاعة الله, وكان شديد الورع, وكنت ربما قدمت إليه الشيء؛ فيسألني عنه ولا يرضاه ولا يذوقه, وربما رضيه فأكله, فسألني عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, إلى أن اتفقنا أنه فريضة من الله تعالى، فقال لي: مد يدك حتى أبايعك، فأظلمت الدنيا بيني وبينه).

فقلت: ولم?!

قال: (دعاني إلى حق من حقوق الله فامتنعت عليه، وقلت له: إن قام به رجل وحده قتل, ولم يصلح للناس أمر, ولكن إن وجد عليه أعوانا صالحين ورجلا يرأس عليهم مأمونا على دين الله؛ لا يحول، وكان يقتضي ذلك كلما قدم علي تقاضي العزيمة الملح, كلما قدم علي تقاضاني, فأقول له؛ هذا أمر لا يصلح بواحد, ما أطاقته الأنبياء حتى عقدت عليه من السماء, وهذه فريضة ليست كسائر الفرائض, لأن سائر الفرائض يقوم بها الرجل وحده, وهذا متى أمر به الرجل وحده أشاط بدمه, وعرض نفسه للقتل, فأخاف عليه أن يعين على قتل نفسه, وإذا قتل الرجل لم يجترئ غيره أن يعرض نفسه, ولكنه ينتظر, وقد قالت الملائكة: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾، ثم خرج إلى مرو حيث كان أبو مسلم، فكلمه بكلام غليظ, فأخذه, فاجتمع عليه فقهاء أهل خراسان وعبادهم حتى أطلقوه, ثم عاوده فزجره, ثم عاوده، ثم قال: "ما أجد شيئا أقوم به لله تعالى أفضل من جهادك, ولأجاهدنك بلساني, ليس لي قوة بيدي, ولكن أراني الله وأنا أبغضك فيه" ... فقتله).

هذا قول أبي حنيفة، وهو يؤكد على ضرورة العمل الجماعي من أجل القيام بفريضة الأمر بالمعروف.

أرأيت قوله [13]: (ولكن إن وجد عليه أعوانا صالحين ورجلا يرأس عليهم مأمونا على دينه؛ فلا يحول)، أي يجب العمل معهم.

فلا بد من قيادة صالحة مأمونة على دين الله وجند صالحين صادقين [14].

(هذا أمر لايصلح بواحد, ما أطاقته الأنبياء حتى عقدت عليه من السماء، وهذه فريضة ليست كسائر الفرائض، لأن سائر الفرائض يقوم بها الرجل وحده).

يقول ابن تيمية في "الفتاوى" [28/ 127]: (والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون تارة بالقلب, وتارة باللسان وتارة باليد, فأما القلب؛ فيجب بكل حال, إذ لا ضرر في فعله, ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وذلك أدنى - أو - أضعف الإيمان"، وقال: "ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".

وقيل لابن مسعود: من ميت الأحياء? فقال: "الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا".

وأصل هذا؛ أن تكون محبة الإنسان للمعروف وبغضه للمنكر, وإرادته لهذا, وكراهته لهذا موافقة لحب الله وبغضه, وإرادته وكراهته الشرعيين, وأن يكون فعله للمحبوب, ودفعه للمكروه بحسب قوته وقدرته, فإن الله لا يكلف نفسا إلآ وسعها, وقد قال: ﴿فاتقوا الله ما ستطعتم﴾.

فأما حب القلب وبغضه, وإرادته وكراهيته؛ فينبغي أن تكون كاملة جازمة, لا يوجب نقص ذلك إلا نقص الإيمان, وأما فعل البدن؛ فهو بحسب قدرته, ومتى كانت إرادة القلب كاملة وكراهته كاملة تامة, وفعل العبد معها بحسب قدرته, فإنه يُعطى ثواب الفاعل الكامل).

[13] الجامع الصحيح الترمذي (11/ 83).

[14] أنظر فتح الباري (9/ 238) , وصحيح الترمذي (11/ 83).

[15] أنظر فتح الباري (9/ 238) , وصحيح الترمذي (11/ 83).

حكم العمل في جماعة · الصفحة ٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حكم العمل في جماعةص ٣