ولكن قد يهمل ، ويتساهل في صناعة (الوعي الفكري) لديهم ، فإنهم في أزمة حضارية ، وأمام تسلط دولي ، وحرب ضروس تتناول مجالات شتى في الحياة ، وأنه يُراد لهذه الأمة التقهقر والتخلف ، ومزيد التباب والانحطاط ، وأن تكون مرتعاً لكل الجرائم الفكرية ، والأسقام الأخلاقية، التي تشعرهم بالانهزام والمهانة ، والرضى بالدون واليسير، فيتحطم شموخها الديني ، ويتقاعس شبابها وتتبخر طاقاتها ، وتلهو قاماتها، ويشتغل مثقفوها بالقضايا الهامشية ، والمسائل العلمية التي لا تحسِّن حالاً ، ولا تغير واقعاً ، ولا تدفع بهم للرقي الثقافي على مستوى العلوم الشرعية فضلاً عن العلوم الحياتية ، والفنون المستجدة ! وتبيت خطبة الجمعة جارية في سياق التنمية الروحية ، والتطوير الشرعي ، دون أن تكون ذات دوافع فكرية لكشف البعد الحضاري للأمة ، وأنها أمة القيادة ، وموطن الريادة، وأنها المرتقبة لتخليص الإنسان ، وانتشاله من عبودية الشهوات ، وسيطرة القيم المادية عليه . قال تعالى : (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [ آل عمران : 110 ] .
فلابد للخطيب مهما تعذر بأعذار سائغة أو غيرها ، أن يجدِّد الوعي الفكري في حياة الأمة ، وأن يصنع (بارقة الأمل) ، ويُهيأ رايات البذل والعمل ، ويشعل روح المبادرة الذاتية ، في حس كل مسلم يصغي لخطابه، وأن المرامَ من الخطبة ، ليس مجرد تحسين الصلاة أو بذل الصدقات ، بل المراد تحسين الصلاة في كل أرجاء المعمورة ، وإيصال الصدقات إلى كل مناطق العالم الإسلامي المتضرر، حيث يتولد الشعور الأممي ، وترتقي الصلاة بمحاسنها التي تورث تزكية النفس ، وكفها عن كثير من الأدران والمساوئ البشرية .