والآثار التي يتركها اللحان على خطبته ، وعلى أسماع الناس وأذواقهم ومستوى الدعوة، والمناخ العام ، جديرة أن تدفعه إلى التعلم، أو ترك المنبر للفاضل والمتقن ، لأنها وسيلة الجناح ، كثيرة الأتراح ليس هذا موضع تفصيلها .
وهو متمانع مع ما ينبغي في فصاحة الخطبة ، وبلاغتها التي لا تظهر مع اللحن والخطأ .
قال بعضهم :
خطباءُ حين يقوم قائلهم ... ... ...
بيضُ الوجوه مَصاقِع لُْسُ
أي بلغاء فصحاء .
جاذبية الخطبة
لما كانت الخطبة حلقة وصل بين المتحدث ومستمعيه ، ونافذة الأسبوع وينبوع الهداية المتجددة ، وشرط صحة الصلاة ، حرَص كثير من الخطباء على لونها الفني ، وانضباطها الفقهي الذي يجعلها شرعية صحيحة تبرأ بها الذمة ، وتناسوا جاذبيتها الباعثة على العمل والمبادرة والفاعلية . كم من الخطب تُلقَى هذه الأيام ؟! وكم من مفوه ومثقف يزمجر كل أسبوع ، ويصدح كل حين؟! ولكن الآثار محدودة ، والنتائج ضيئلة.
إن مهارة الخطيب الكلامية ونضجه الفقهي ، لا يوفر له ضمان الجاذبية وإيصال الرسالة من الزمجرة الأسبوعية ، والصراخ الشهري فحسب ، بل لابد أن يكون في الحسبان صلاح الحال ، والدعوة بالقدوة الحسنة ، وتلطف الخطاب ، وترك التعيير والتهديد ، والظهور بمظهر التواضع والإشفاق (واخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر : 88 ] .
وملاحظة إقبالهم نفسياً وعقلياً وتلمس جراحهم وشئونهم ، ولا سيما والحضور زاخر، وكل يلتمس ما يلين به قلبه ، وتبسم به روحه ، ويحل له مشكلته .
فالمثقف يريد الموضوعات الفكرية والتربوية ، والعامي يشتهي إيمانيات ، وما يغذي به خيره وصلاحه ، وفي العامة التاجر الراغب في نقد المتلاعبين بحقوق الناس ، والعامل الذي يغشه كفلاؤه ، وصاحب المظلمة الذي يصطلى بحرها ، ويتصور انتشار الطغيان والفساد في الأرض .