وإنما يأتي اللحن وتبديل منطق الكلام من ضعف بناء الخطيب النحوي ، واستهانته بقواعد اللغة العربية ، وولوجه مزاهر الحديث دون إصلاح منطق ، وتقويم لسان !! وسببه الارتجال المشوش ، والانهماك في الفكرة وتجاهل عقول السامعين ، حتى يصبح ذلك عادةً ذميمة فيه ، لا يلوي على غيرها ، ولا يطمع في إصلاحها ، فيغدو اللحن مستكثراً معه فيكون (متحدثاً لُحَنةً) يخطئ في الدقيقة الواحدة عشرات اللحونات، وهذا شيء شنيع لا يسوغ السكوت عنه . وقد تساهل الناس في العصور المتأخرة ، لا سيما أهل زماننا في النحو وحذقه وضبطه ، وجوزوا للحانين صعود المنابر ، وتسنم المناصب العلية ، الذي يتحدث فيه بعضهم ، فتكون ألحانه ، أكثر من صواباته وهذا أمر فريّ ، وداء عري، يُسئ للدعوة والمنابر ، وأرباب العلم والثقافة !!
والله يقول في القرآن الكريم : (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) [الشعراء : 195] وأي إبانة يحملها الخطيب اللحان ؟!!
والمتعين علينا كخطباء ، تعلم النحو وضبطه ، ومجاهدة النفس في ذلك ، ولو مع الصعوبة والكِبَر ، والفرص كثيرة للعلم والمعالجة ، المهم الجد وبذل الوقت والبدء بالمختصرات .
وقد جاء عن ابن المبارك (اللحن في الكلام كالجدري في الوجه) .
والخطيب الكثير اللحن يقدم لك الفاكهة الرطيبة في طبق متسخ ! هل يأكلها الناس ؟!
ومع ذمنا للحن ، لا ندعي سلامة النفس منه ، بل يقع فيه حتى أفاضل العلماء ، وبصراء المتحدثين ، ولكن يجب التقلل منه ، وأن تقع في كل عشرين كلمة ، وليس في كل ثلاث كلمات .
ومن الضروري في امتحان الخطباء ، وبعد امتحانهم سلوكياً وفقهياً (امتحانهم نحوياً)، والإصغاء لقولهم ومنطقهم ، حتى لا يقدم إلا المستحق ولا يصح إلا الصحيح .
وما أجملَ ما أنشده أبو العباس المبرِّد :
النحوُ يبسُطُ من لسان الألكَن ... ...
والمرء تُكرمه إذا لم يلحنِ
وإذا أردتَ من العلوم أجلَّها ... ...
فأجلُّها علم مقيم الألسنِ