المبحث الأول: الدروس العسكرية
أولاً: أن الجهاد بالسيف لم يفرضه الله إلا بعد أن توفرت أسبابه، وانتفت موانعه، والذي يتبين من النصوص وحال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أن الدعوة إلى الله تعالى في المجتمعات التي تكون الشوكة فيها بيد من يحارب الحق وأهله، وينصر الباطل وأهله، أنها لا بد أن تمر بثلاث مراحل:
الأولى: بيان الحق والدعوة إليه بحكمة ورفق.
الثانية: الابتلاء والامتحان في سبيل الدعوة إلى الله تعالى، والصبر على ذلك.
الثالثة: التميز عن أهل الباطل.
وحينئذ يشرع القتال، وهذه المراحل الثلاث هي التي مرت بها دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، كما يتضح ذلك من سيرته، وقد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: 110].
ثانياً: استحباب مشورة الإمام رعيته، وجيشه استخراجاً لوجه الرأي، واستطابة لنفوسهم، وأمنًا لعتبهم، وتعرفاً لمصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض، وامتثالاً لأمر الرب في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159].
ثالثاً: الأصل أن يبذل المسلمون كافة جهودهم في الإعداد لمجابهة العدو، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]. فإذا ما فعلوا ذلك أعانهم ونصرهم وأمدهم بملائكته وجنوده، كما وقع للمسلمين في بدر.
رابعاً: في قصة سواد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - دليل واضح على أن الناس في أخذ الحق منهم وإعطائهم سواء، وهذا هو العدل الذي جاءت به شريعة الإسلام، وأقامه نبي الإسلام - صلى الله عليه وسلم - على نفسه وأقاربه والناس جميعاً.
وقد بين - صلى الله عليه وسلم - أن الأمم تضل وتهلك حين تتنكب هذا الطريق، وقال: "أيها الناس، إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع