رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عتبة بن ربيعة وهو على جمل أحمر، فقال: «إن يكن عند أحد من القوم خير، فهو عند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا» وهو يقول: يا قوم أطيعوني في هؤلاء القوم، فإنكم إن فعلتم لن يزال ذلك في قلوبكم ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه، وقاتل أبيه، فاجعلوا حقها برأسي وارجعوا.
فقال أبو جهل: انتفخ والله سحره حين رأى محمداً وأصحابه، إنما محمد وأصحابه أكلة جزور، ولو قد التقينا. فقال عتبة: ستعلم من الجبان المفسد لقومه، أما والله إني لأرى قوماً يضربونكم ضرباً! أما ترون كأن رؤوسهم الأفاعي، وكأن وجوههم السيوف (1).
وروى ابن جرير في تاريخه من حديث سعيد بن المسيب، قال: بينا نحن عند مروان بن الحكم، إذ دخل حاجبه، فقال: هذا أبو خالد حكيم بن حزام، قال: ائذن له، فلما دخل حكيم بن حزام قال: مرحباً بك يا أبا خالد! ادن، فحال له مروان عن صدر المجلس، حتى كان بينه وبين الوسادة، ثم استقبله مروان، فقال: حدثنا حديث بدر، قال: خرجنا حتى إذا نزلنا الجحفة (2) رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها، فلم يشهد أحد من مشركيهم بدراً. ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التي ذكرها الله - عز وجل -، فجئت عتبة بن ربيعة، فقلت: يا أبا الوليد، هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت؟ قال: أفعل ماذا؟ قلت: إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرمي، وهو حليفك، فتحمل ديته وارجع بالناس. فقال: أنت وذاك، وأنا أتحمل بديته، واذهب إلى ابن الحنظلية - يعني أبا جهل - فقل له: هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك؟ فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن ورائه، وإذا ابن الحضرمي واقف على رأسه، وهو يقول: قد فسخت عقدي من عبد شمس، وعقدي إلى بني مخزوم. فقلت له: يقول لك عتبة بن ربيعة: هل لك أن ترجع اليوم عن ابن عمك بمن معك؟ قال: أما وجد رسولاً غيرك! قلت: لا، ولم أكن لأكون رسولاً لغيره. قال حكيم: فخرجت مبادراً إلى عتبة، لئلا يفوتني من الخبر شيء، وعتبة متكئ على إيماء ابن رحضة الغفاري، وقد أهدى إلى المشركين عشر جزائر، فطلع أبوجهل والشر في وجهه، فقال لعتبة: انتفخ سحرك! فقال
(1) () ... (2/ 313) برقم (1732)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 76): رجاله ثقات. قلت: ويشهد له ما قبله.
(2) () ... سبق تعريفها ص 168.