فيما وراء ذلك، إنما خرجتم لتمنعوا عيركم وأموالكم، وقد نجاها الله. فإن أبوا عليك، فلا يأبون خصلة واحدة، يردون القيان، فإن الحرب إذا أكلت نكَّلت. فعالج قريشاً وأبت الرجوع، وقالوا: أما القيان فسنردهن!، فردهن من الجحفة. ولحق الرسول أبا سفيان بالهدَّة - والهدَّة على سبعة أميال من عقبة َ عسفان على تسعة وثلاثين ميلاً من مكة - فأخبره بمضي قريش، فقال: واقوماه! هذا عمل عمرو بن هشام، كره أن يرجع لأنه قد ترأس على الناس، وبغى والبغي منقصة وشؤم. إن أصاب أصحاب محمد النفير ذللنا إلى أن يدخل مكة.
وقال أبو جهل: لا والله لا نرجع حتى نرد بدراً - وكان بدر موسماً من مواسم الجاهلية يجتمع بها العرب، لها بها سوق - تسمع بنا العرب وبمسيرنا فنقيم ثلاثاً على بدر، ننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونشرب الخمر، وتعزف القيان علينا، فلن تزال العرب تهابنا أبداً.
ونزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وادي بدر عشاء ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان، فبعث علياً والزبير وسعد بن أبي وقاص، وبسبس بن عمرو يتحسسون على الماء، وأشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ظُريب فقال: «أرجو أن تجدوا الخير عند هذا القليب الذي يلي الظريب» - والقليب بئر بأصل الظريب، والظريب جبل صغير - فاندفعوا تلقاء الظريب، فيجدون على تلك القليب التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رَوايا قريش فيها سقاؤهم. ولقي بعضهم بعضاً وأفلت عامتهم، وكان ممن عرف أنه أفلت عُجير، وكان أول من جاء قريشاً بخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنادى فقال: يا آل غالب، هذا ابن أبي كبشة وأصحابه قد أخذوا سقاءكم! فماج العسكر، وكرهوا ما جاء به.
قال حكيم بن حزام: وكنّا في خباء لنا على جزور نشوي من لحمها، فما هو إلا أن سمعنا الخبر، فامتنع الطعام منا، ولقي بعضنا بعضاً، ولقيني عتبة بن ربيعة، فقال: يا أبا خالد، ما أعلم أحداً يسير أعجب من مسيرنا، إن عيرنا قد نجت، وإنا جئنا إلى قوم في بلادهم بغياً عليهم. فقال عتبة لأمرٍ حُمّ، ولا رأي لمن لا يطاع، هذا شؤم ابن الحنظلية! يا أبا خالد، أتخاف أن يبيتنا القوم؟ قلت: لا آمن ذلك. قال: فما الرأي يا أبا خالد؟ قال: نتحارس حتى نصبح، وترون من وراءكم، قال عتبة: هذا الرأي. قال: فتحارسنا حتى أصبحنا. قال أبو جهل: ما هذا؟ هذا عن أمر عتبة، قد كره قتال محمد وأصحابه! إن هذا لهو العجب، أتظنون أن محمداً وأصحابه يعترضون لجمعكم؟ والله لأنتحين ناحية