هؤلاء ينسون أن رابعة بهذا السحر الصوفي الفاتن تستشرف عزة الألوهية! وتفتري لنفسها الشائنة مقاماً يسمو عن مقام الرسل الذين جعل الله من صفاتهم أنهم يدعونه: رغباً ورهباً، أو خوفاً وطمعاً، يقول الله عن زكريا وآله: (21: 9 إنهم كانوا يسارعون في الخيرات، ويدعوننا رغباً ورهباً ، وكانوا لنا خاشعين) ثم تأمل هذه الآيات التي تنجيك من سحر رابعة: (7: 154 وادعوه خوفاً وطمعاً إن رحمة الله قريب من المحسنين) وصف الله من يدعونه خوفاً وطمعاً بأنهم محسنون، والإحسان أسمى مراتب العبادة، وأكمل مقامات العبودية، والعبودية هي غاية الحب، مع غاية التذلل ، فما الحب الذي تطفح به مشاعر رابعة؟!
(32: 16، 17 إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها، خروا سجداً، وهم لا يستكبرون، تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، ومما رزقناهم ينفقون) أرأيت في صور القديسين الناسكين أروع من صور هؤلاء الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع لذكر الله؟! ومن أخص صفاتهم دعاء الله خوفاً وطمعاً! فما حب رابعة؟!
من أخص خصائص البشرية أنه ترغب وترهب، حتى بشرية الأنبياء والرسل. ترهب وهي أسمى مقاماتها، ومن أصدق الدلائل على الحب المسيطر القاهر، أن يمتلئ القلب رغبة في المحبوب ورهبة من. رغبة في رضاه، ورهبة من غضبه (وجزاء رضوان الله في الآخر الجنة، وجزاء غضبه فيها النار، فإذا لم ترغب في جنته، فأنت غير راغب في رضاه، وإذا لم ترهب ناره، فأنت لا ترهب غضبه، وإذا لم ترغب الرضا، وترهب الغضب، فأنت دعي حب كذوب) أو جفاه، فإذا لم تكن ثم رغبة في نواله، فقد سئمته، وإذا لم تكن ثم رهبة من عقابه فقد احتقرته، كلما تسامى الحب، قويت الرغبة في نوال المحبوب، واشتدت الرهبة من حرمانه. الرغبة والرهبة جناحا الحب اللذان يحلق بهما فوق الذرى، فإذا تجردت منهما كان حبك كاذباًن لا يقهر منك شعوراً، ولا يوجه إرادة.